کتابخانه:بحث حول الصبر

از پژوهشکده امر به معروف
(تغییرمسیر از بحث حول الصبر)
پرش به: ناوبری، جستجو
بحث حول الصبر
مشخصات کتاب
Bahs hol sabr-khamenei.jpg
نویسنده سید علی خامنه ای
زبان عربی
ناشر موسسه فرهنگی و اطلاع رسانی تبیان
محل انتشارات قم
تاریخ نشر ۱۳۸۷
قطع رقعی
شابک ۹۶۴-۵۴۸-۰۲۷-۲



مقدمة

ها هو سليل العترة الطاهرة ووارث النبي والأئمة (صلوات الله عليهم) يقف حاملاً راية الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، ينفث في أرواح المؤمنين قوة الاستقامة والثبات على طريق ذات الشوكة. ها هو خليفة الخميني باعث الإسلام من جديد، يرفع لواء المواجهة التي لا تعرف هوادة ضد الطواغيت والظلمة، وبيده مصباح الهدى، يشير على الجماهير المتعطّشة للحرية للتقدّم نحو الأمام. ها هو الفقيه الحق الذي ذاب في الإسلام المحمدي الأصيل، وعرف نهجه القويم، يدعو إليه على بصيرة ومن اتبعه، يحث عشاق الحقيقة والعزة على المضي قدماً حتى تحقيق الأهداف الإلهية الكبرى. لقد افتقد المسلمون منذ مئات السنين مثل هذا النور وهذه المنارة وفي أحلك ظروفهم، في الوقت الذي كانوا بأمسّ الحاجة إليه، حيث كان الأعداء يتناوشونهم من كل جانب. افتقد المسلمون القائد الحقيقي الذي يؤمن بالله وبالإسلام كدين شامل وحل كامل، ويعرف نهجه ـ لا معارفه فقط ـ ويؤمن بالناس والأمة ويعطف عليها. ثم أطلّ نجم الإمام الخميني (قده) في ظلمة الضياع، ليبعث في الأمة أملاً جديداً وروحاً قوية. وانتزع منها روح الخنوع والذلة ليستبدل ذلك بالعزة والكرامة. فأدركت معنى الإسلام الحقيقي لأول مرة منذ قرون... لقد قدّم الإمام الإسلام بتعاليمه وروحه، ولم يفرّق بينهما، فسرت هذه الروح المشبّعة بالأصالة في الجسم المريض للأمة، لتبعث فيه الحياة والقوة والعزم والشوق. كل ذلك لأنّ الإسلام بدون الجهاد والمواجهة، جسم بلا روح وقالب بلا قلب. الجهاد الذي يعني السعي الكامل لأجل إقامة حكم الله على الأرض، وهو المظهر الحقيقي والتام للعبودية الصادقة لله تعالى، والمواجهة ضد الطاغوت وأشكاله من الفساد والجريمة والرذيلة، قال الله تعالى:
{ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقط استمسك بالعروة الوثقى}. وحينما مدّ الكثير من العلماء حبلاً ادّعوا أنّه الإسلام، مدّ الإمام حبلاً وثيقاً (العروة الوثقى). فتجلّت لنا هذه الروح العذبة للدين الإلهي الحق.

فكيف يؤمن بالله حقاً من لم يكفر بالطاغوت؟! وكيف يعرج في صلاته من لم يتوضأ للشهادة على هذا الطريق؟! وكيف ينال الإنسان بر الإيمان وهو يرى الثكالى والمعذبين والمستضعفين يئنّون تحت سياط القهر والظلم من قبل الطواغيت؟! هل يمكن أن يذوق الإنسان حلاوة الإيمان الصادق وهو لا يتحمل مسؤولية المجتمع؟! وهل يكون مسلماً من سمع منادياً ينادي يا للمسلمين ولم يُجبه؟! أين هو الإسلام الذي يقبل الذل لأتباعه والله يقول:
{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}؟ ما هو هذا الإسلام الذي يرضى لأتباعه أن يكونوا كالأنعام لا يدركون معنى الكرامة ويقدّمون الحياة الدنيا على الآخرة والمادة على الروح والشهوات على الكرامات؟! نعم، إنّه إسلام أمريكا الذي صنعته وقدمته من خلال مئات الوسائل وينعتق وراءها الناعقون في المغرب والمشرق والأمصار، يريدون أن يقضوا على الإسلام باسم الإسلام. وفي هذه المعركة الكبرى والصراع المرير يقف سيّد علوي حسيني ليقول لا. يحمل لواء الجهاد، ويعلن أنه لن يسمح لهذه الشعلة التي أوقدها الإمام أن تنطفئ. وإذا رأيته وسمعت منطقه شعرت كأن بدراً وخيبراً وصفينَ وعاشوراءَ قد جرت بالأمس القريب، فتقرأ التاريخ في كتاب الصراع. لأنّ التاريخ الحقيقي هو هذا.

ما أحوجنا إلى هذه البوصلة التي تعطي الاتجاه الصحيح في الوقت الذي يظنّ الجميع أن روح الإسلام قد خمدت في نفوس المسلمين. وما أحوجنا إلى من يذكّرنا بمسؤوليتنا التي إذا لم نؤدها لحقنا الذل والعار والهوان. ما أحوجنا إلى الذي يثبت في عروقنا قوة الصبر والتحمل لنكمل المسير. هذا الكتاب الذي نقدّمه لك أيها القارئ هو ثمرة من ثمار هذا الجهاد المرير الذي خاضه سماحة الإمام الخامنئي لسنين طوال لا يكلّ ولا يملّ، يهاجر من دار إلى دار ومن سجن إلى سجن، وهو يشاهد الأمّة المدهوشة المصعوقة بفعل ضربات الظالمين، أمّة يائسة محبطة انقلبت عندها المفاهيم الإسلامية الباعثة على العزة والكرامة والحرية إلى مفاهيم تبعث الخمول والذل والخنوع. وما أصعبها من مهمة.
كيف نوقظ من وُسم بالذلّ تاريخه لمئات السنين. وكيف نخرجُ من ظلمات الضياع من لم يرَ نوراً لقرون؟! فمن فكر بعظم المهمة وحجم المسؤولية، يدرك أنها مهمة إنسان ينبغي أن يكون متميزاً بصفات تغوص في أعماق التاريخ، وتقتبس من النور الخالص للدين، وتعرف حاضرها وزمانها معرفة تامة، لترسم للمستقبل طريق النجاة. هذه الصفات السامية والعظيمة هي التي اجتمعت في شخصية إمامنا القائد (نصره الله) فجعلت منه قائداً إلهياً يعيد إلى أذهاننا ذكرى القادة الربانيين العظام.

ليتني أقدر على بيان هذه الصفات، ولكن كيف لخفاش أن يبصر نور الشمس، وأنَّي لنملة أن تحمل جبلاً. أدعوك أيها القارئ العزيز أن تطالع كلّ ما قاله وكتبه هذا الإمام الفقيه وتتأمل في زوايا كلماته باحثاً. فإنك بإذن الله ستطلع على مشهد يبعث في نفسك حبوراً وسروراً لا مثل له. إنه سرور مشاهدة أولياء الله من خاصته. في هذا الكتاب الذي هو عبارة عن مقالة كبيرة أو بحث شامل حول الصبر.
نرى بوضوح أنّ سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله) يتناول هذا المفهوم الأصيل في المدرسة الإسلامية من جميع الأبعاد، حيث يخرجه من نطاقه الفردي الضيق، الذي علق بالأذهان، إلى رحاب آفاقه الاجتماعية الواسعة. وهذا الطرح يمثل نموذجاً لفكر هذا الإنسان العظيم. ذلك لأنّ الإسلام لم يكن في حقيقته يوماً ديناً للعبادات والشؤون الخاصّة بالفرد فقط، فمنذ انبعاثه الأول نجد أنه طرح قضية المجتمع على نطاق واسع وفي أعمق شؤونه، وحمَّل أتباعه مسؤولية إقامة حكم على أساس المبادئ والتعاليم الإلهية، وجعل مفهوم الأمّة والعالم من المسائل التي ترتبط بعمق الإيمان والإسلام. هكذا كان الإسلام وستبقى شعلته متوقدة طالما وجد مثل هذا القائد الكبير. ع.ن.

قم المقدسة 21 شوال 1420هـ

بحث حول الصبر

يعتبر الصبر من أوضح المصطلحات والمفاهيم الإسلامية وأجلّها. وقد استخدم في النصوص الإسلامية في العديد من الموارد وطرح بأساليب وطرق تتناسب مع القضايا المختلفة بما تضمنه من أجر وثواب وإشارة إلى أهميته. وعندما يطرح في الأحاديث، فمن الطبيعي أن يحرك المسلم ويبعث في نفسه الرغبة للتعرف إليه والسعي للاتصاف به. وللأسف، فقد تعرض هذا المفهوم ـ كغيره من المفاهيم ـ للتحريف الذي ابتليت به أغلب المفاهيم الإسلامية، ويمكن القول بخصوص مفهوم الصبر أنه مسخ وحرف معناه، فانقلب رأساً على عقب. الفهم الشائع والعامي للصبر يعرَّف الصبر عادة بأنه تحمل الآلام والمرارات.

وهذا التعريف والفهم يمتزج بالإبهام والغموض إلى حد كبير بحيث يسمح لكل من يريد، أن يوجهه إلى معانٍ مختلفة، بل متضادة. فإذا طُرح مفهوم الصبر في مجتمع ـ يعيش الظلم والقهر، ويخضع لأشكال الفساد والانحلال ـ بشكل خاطئ، يتحول إلى عامل مهم يستخدمه الظالمون والمفسدون للاستمرار في السيطرة والقمع، ويصبح عاملاً مساعداً للتخلف والركون وبقاء حالة الفساد والانحطاط.
وعندما يطلب من شعب يعاني الفقر والحرمان والتخلف أن عليك الصبر، وهو غائص في مستنقع الضياع والانحراف أو غارق في المظالم التي تتسبب بها زمرة الظالمين عديمو الشرف والإنسانية، فإن أول ما يفهم من هذه الموعظة كإجراء عملي أن عليهم تحمل المرارات والآلام والظروف القاسية المهلكة التي تمارس وتفرض عليهم. وتكون النتيجة أيضاً أن هذا المجتمع ليس أنه لن يتحرك نحو الثورة ضد الأوضاع السيئة للتخلص والنجاة من هذا الظلام والضياع فحسب، بل سيتوهم ويمني نفسه بأنه مأجور ومثاب عند الله على هذا الصبر أيضاً وعليه، ينزوي ولا يبالي بما يحدث ولا يكترث بما يحصل حوله، ويعيش حالة من الرضا والسرور ويظن ذلك فوزاً عظيماً له. ومن الواضح أنّ شيوع وانتشار مثل هذه الروحية في المجتمع سيعود بنفع كبير على الطبقات الظالمة التي تريد الحفاظ على امتيازاتها. ويبقى الضرر نصيب الطبقات المستضعفة المظلومة. ومن المؤسف أنّ هذا الفهم الخاطئ المستلزم لهذه الآثار والنتائج في المجتمع، يطغى في عصرنا الحالي على المجتمعات الإسلامية.
كما أن طرح أي معنى آخر للصبر ـ وإنْ كان مقبولاً ومنطقياً عند من لم يُسبق بالتعرف إلى هذا الموضع ـ يحتاج إلى الكثير من المقدمات والأدلة لأولئك الذين لم يتعرفوا إلى التعاليم والمعارف الإسلامية بشكل صحيح. وقد يكون البحث معهم في أغلب الأحيان لا طائل وراءه. وإذا أردنا الاطلاع على الآيات والروايات التي تناولت مفهوم الصبر بشكل جامع وشمولي، فإننا سنتعجّب بعدها من هذا التحريف النبوي الذي قد وصل إلى درجات خطرة. نظرة عامة على المصادر التي تطرح الصبر إذا فهمنا معنى الصبر وتبيّن لنا وفق ما طرح ـ بوضوح ومن دون شائبة ـ في الآيات القرآنية والروايات المنقولة عن الأئمة (عليه السلام) سنصل إلى نتيجة تخالف كلياً ما هو رائج وشائع بين الناس. وعندما ننطلق من الرؤية القرآنية والروائية سنشاهد أن الصبر هو ذلك العمود الحديد الذي يقلب أكبر الصخور وأثقلها، ويقوم برفع الموانع والعواتق الكبرى، ويواجه المشكلات ويتجاوزها بكل سهولة محققاً النتائج الإيجابية تماماً. وحينها سيكون مفتاحاً لكل أبواب السعادة والخير للمجتمع المظلوم والضال. كما كان من الممكن أن يكون مفتاح أبواب الشقاء والتعاسة للمجتمع بأسره. وبفهمه فهماً صحيحاً فإنه سيغدو المانع والرادع والمقلق لكل القوى الشريرة السيئة. وللتعرف إلى مفهوم الصبر ومضمونه وميادينه التي يكون فيها الحل الوحيد المفيد والنافع، علينا الرجوع إلى القرآن وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والوقوف عليها والتدقيق فيها. فحينها يمكن إثبات المعنى الصحيح لهذا المفهوم. أما فيما يتعلق بالقرآن الكريم، فقد أتى على ذكر الصبر والصابرين في أكثر من سبعين آية بشكل مباشر وصريح مع مدح هذه الصفة والمتصفين بها، كما ذكرت الآثار والنتائج القريبة لها والمواقع التي تزيد وتكبر الأمل في الذين يتمسكون بها. ولكن، لن أتعرض في هذا البحث المختصر إلى الآيات القرآنية وشرحها، بل سأكتفي بالتدقيق في الروايات واستنباط المعاني والدلالات منها. وانتهاجي هذه الطريقة مردّه إلى أمرين. الأول:
إن الوقوف والتدقيق في الآيات القرآنية التي تناولت مفهوم الصبر يستلزم الدخول في بحث واسع ويحتاج إلى فرصة أوسع. الثاني:
اعتمادنا على الروايات يساهم في رفع النسيان والإهمال الذي تعرضت له أحاديث المعصومين حيث خلت الأبحاث والدراسات الإسلامية الأخيرة منها، ويبيّن كيفية الاستفادة من روايات الشيعة لأولئك الذين لم يطلعوا على الدور الوضّاء والهادي للحديث. المفهوم الإجمالي للصبر بناءً على مجموع الروايات التي وصلتنا، يمكننا أن نعرّف الصبر بهذا النحو:
هو مقاومة الإنسان المتكامل (السالك طريق الكمال) للدوافع الشريرة المفسدة والمنحطة. وكمثال على ذلك يمكننا أن نشبّه هذا الأمر بشخص يريد تسلق جبل. فأثناء تسلقه للوصول إلى القمم العليا يوجد موانع مصاعب، قسم منها يتعلق بهذا المتسلَّق وينبع من نفسه، والقسم الآخر يرجع إلى العوامل الخارجية، فيعملان معاً على الحد من حركته. أما ما يرجع إلى الإنسان نفسه، فهو طلب الراحة والخوف أو اليأس من الوصول إلى الهدف، والأهواء المختلفة التي تعمل على منعه من الاستمرار في التسلّق والصعود، حيث تنخفض حرارة الاندفاع والبواعث بسبب استمرار تلك الأفكار والوساوس. أما فيما يرجع إلى العوامل الخارجية، فهناك الصخور الضخمة والذئاب والأشواك وقطاع الطرق وأمثالها. كل منها يهدد الإنسان ويمنعه من متابعة مسيرة.

ومثل هذا الشخص الذي يواجه هذه المتاعب والمصاعب إمّا أن يقرر عدم مواصلة السير بسبب المخاطر والآلام والمشاق، وإما أن يصبح الأمر عنده معاكساً، حيث يزداد عزمه قوة وثباتاً، ويقرر أن يقاوم جميع الموانع الداخلية والخارجية، وبالاعتماد على عامل المثابرة والتحمل، يدفع هذه الموانع من طريقه ويواصل المسيرة.
هذا الثاني هو الذي يعني الصبر. والإنسان في حقيقة حياته المحدودة في هذا العالم وفي الواقع، قد جُعل في طريق ـ يمتد من بداية حياته الدنيا وحتى وفاته ـ وليسلكه ويطويه نحو الوصول إلى أعلى منزل من منازل الإنسانية. ولأجل تحقق هذا الهدف، ولكي يقترب من هذا المنزل، خلق لأجله كل ما يعينه عليه. وكل هذه الوظائف الملقاة على عاتقه والتكاليف التي كلف بها تعد وسائل القرب والمراحل السير نحو الهدف المنشود. ولم يكن ذلك المجتمع الإسلامي، الذي يعد أول هدف للدين الإلهي والأنبياء العظام إلا لأجل بناء ذلك الإنسان الواصل وصناعته. فهم (صلوات الله عليهم) كانوا يريدون إيجاد المناخ المناسب لتمكين الإنسان من سلوك هذا الطريق بيسر للوصول إلى تلك الغاية. إنّ هذه الغاية يمكن التعبير عنها بكلمات قليلة، فهي تعني ارتقاء الإنسان وتكامله وتفجّر ينابيع الاستعدادات والقابليات المودعة فيه. وهذا ما يعبّر عنه في ديننا أيضاً بتعبيرات مختلفة من قبيل "التخلّق بالأخلاق الإلهية، والقرب من الله و...". وبالطبع يوجد في هذا الطريق، الذي هو طريق صعب مليء بالمتاعب، موانع وحواجز كثيرة، على الإنسان أن يقطعها ويجتازها. وإنّ كل مانع منها يكفي لوحده لإيقاف هذا المتسلِّق نحو قمّة الكمال والرقي ومنعه من متابعة سيره. فمن جانب باطن الإنسان يوجد كل تلك الصفات والخصال السيئة والرذيلة، بالإضافة إلى العوامل الخارجية الدنيوية التي تجلب المتاعب والآلام وتعتبر مجموعة من الأشواك والعقبات في هذا الطريق. الصبر هنا يعني مواجهة ومقاومة كل هذه الموانع بإرادة صلبة وعزم راسخ يضع كل هذه العقبات جانباً. وكما ذكرنا، فإنّ جميع التكاليف الإسلامية الفردي منها والاجتماعي تُعد وسائل ولوازم هذا الطريق للوصول إلى المقصد الإنساني. وبناءً عليه يكون كل واحد منها بذاته مقصداً وهدفاً قريباً ينبغي تحقيقه للوصول إلى الغاية النهائية.

فالذي يريد السفر إلى مدينة بعيدة، فإن الأماكن التي تقع في مسيره، وكذلك إعداد اللوازم ومتطلبات السفر، هي بمثابة الأهداف والمقاصد القريبة التي ينبغي الوصول إليها كمقدمة نحو الهدف النهائي والأساسي. ففي نفس الوقت التي تعتبر تلك المقدمات وسيلة للوصول، هي أيضاً غاية ونتيجة لتحقيق مقدمات أخرى. وما أريد أن أصل إليه من هذا الكلام، هو أن الوصول إلى كل واحد من هذه الأهداف القريبة يتطلب شرطاً أساسياً أيضاً، وهو الصبر الذي يعد كالحربة الحادة القوية التي تمزق كل ما يمنع من الوصول إلى المطلوب. وكما أن على طريق الهدف النهائي يوجد موانع كثيرة، كذلك هناك موانع عديدة (داخلية وخارجية) تقف عائقاً أمام الأهداف القريبة وتشكل العقبة المواجهة لتطبيق كل واحد من التكاليف والوظائف الإسلامية. ومن جملة العوامل المؤدية إلى الركود والخمود فيما ينبع من نفس الإنسان هناك الكسل وروحية القيام بما هو سهل فقط، وحب النفس والغرور، والحرص وحب الرئاسة والجاه، والتكاثر بالأموال والشهوات وغيرها من الصفات والخصال الخسيسة. ومما ينبع من العوامل الخارجية هناك الأجواء والبيئة المعيقة وغير المناسبة والمشاكل وتبعات بعض الأنظمة الاجتماعية الحاكمة. فكل واحدة من هذه العقبات تؤثر في منع الإنسان من أداء التكاليف الإلهية البناءة، سواء منها التكاليف الفردية كبعض العبادات أو التكاليف الاجتماعية كضرورة السعي لإعلاء كلمة الحق.
إن ما يبطل تأثير العوامل السلبية، ويضمن القيام بكل التكاليف الإلهية واستمرار السير على الطريق الصحيح، هو المقاومة الإنسانية، أو مواجهة الإنسان للموانع المذكورة. هذه المقاومة أو المواجهة هي التي تعني الصبر. موقع الصبر وأهميته في الروايات عند الرجوع إلى بعض الأحاديث التي تدور حول الصبر نجدها تحكي وتدل على أهمية الصبر في الإسلام والشرائع الإلهية كافة، حيث يمكننا أن نلخص التعبير عن هذه الأهمية بهذه الجملة وهي أنه كان وصية جميع الأنبياء والأولياء والقادة الحقيقيين لأتباعهم وخلفائهم وكل من يسير على دربهم.

إذا أخذنا بعين الاعتبار حالة الأب الرحيم والمعلم الشفيق الذي أمضى عمره في السعي والجهاد متحملاً لكل الآلام في سبيل تحقيق الهدف الذي يصبو إليه، نرى أنّه في اللحظة التي يودع فيها هذه الحياة الدنيا، وعندما تصبح يده عاجزة عن متابعة العمل والسعي وبذل الجهد للوصول إلى الهدف الذي صرف عمره من أجله، فإنه يعهد إلى وارثه لأجل المضي به وإكمال المسير نحوه ويوصيه بما يمكّنه من بلوغ ذلك المقصد الأسمى. فما هي هذه الوصية الأخيرة الذي ينطق بها إلى وارثه الذي أوكل إليه أمر هذه المهمة الخطرة؟ إنه لن يقول له إلا ما هو عصارة تجاربه كافة، وسيقدم له ثمرة سعيه العلمي والعملي، ساعياً لتبيين ذلك في جملة تختصر المطلوب، ضمن وصية تختزن بداخلها كل المعارف والإدراكات القيّمة لتتحول إلى هاد ومرشد دائم لذلك التلميذ الوارث، وكأن النقطة النهائية في حياة الأول تصبح نقطة بداية تكامل وارتقاء للتالي. بعد هذه المقدمة نرى أن آخر وصية للأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين وبناة المجتمع الإلهي السامي وآخر هدية فكرية قدموها لخلفائهم هي الوصية بالصبر. وننتقل الآن إلى محطة نتوقف فيها عند حديثين مرويين عن أهل البيت (عليهم السلام) في موضع الصبر. الحديث الأول عن أبي حمزة الثمالي قال:
قال أبو جعفر (عليه السلام):
"لمّا حضرت الوفاة أبي علياً بن الحسين ضمّني إلى صدره وقال:
"يا بني، أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ـ وبما ذكر أنّ أباه أوصاه ـ يا بني، اصبر على الحق وإن كان مرّاً" . وفيما يتعلق براوي الحديث فهو أبو حمزة الثمالي من خواص الأتباع الخلّص لأهل البيت (عليهم السلام)، وكان من العناصر الأساسية في جبهة الدفاع عن التشيع. لذا ما نقله عن الإمام الباقر (عليه السلام) صحيح معتبر.

لقد خلَفَ الإمام الباقر (عليه السلام) أباه الإمام السجاد (عليه السلام) حاملاً أمانة الحفاظ على ميراثه ومتابعة طريقه ومشروعه. وكان وجوده (عليه السلام) استمراراً لوجود أبيه (عليه السلام) الذي كان بدوره استمراراً لوجود الإمام الحسين بن علي (عليه السلام). فكل واحد من أفراد سلسلة الإمامة كان يمثّل استمرار مشروع السابق له، وكانوا جميعاً استمراراً لوجود النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). لقد كانوا جميعاً نوراً واحداً ونهجاً واحداً يرمون تحقيق هدف واحد. وإذا عدنا إلى الحديث نجد من عبارة "يا بني، أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة" أن المشار إليه هو الإمام الحسين (عليه السلام) الذي نعلم جميعاً أين كان وبأية حالة، حين حضرته الوفاة. ففي تلك الأجواء الشديدة ليوم عاشوراء ووسط بحر الآلام والمصائب وفي هذه الظروف الدموية التي خيمت على كربلاء، والأعداء يحاصرون معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، نجده يستفيد من فرصة صغيرة قبل أن يحمل حملته الأخيرة على معسكر الأعداء، فيرجع من ساحة القتال إلى معسكره ويعقد لقاءاً قصيراً مع أفراد أسرته الذي من المفترض أن يواصلوا ثورته ويتابعوا نهضته، ويتحدث من ولده وخليفته علي بن الحسين (عليه السلام) لمدة قصيرة، لكنّها مهمة جداً ومليئة بالفائدة، وهذا ما يُعبّر الناس عنه بالوداع الأخير. والإمام ـ كما ينبغي أن نعلم ـ معصوم لا يقع تحت تأثير العواطف إلى درجة أن يضيّع هذه الفرصة الأخيرة من حياته بكلام غير مهم مقتصراً في وصيته على المسائل الشخصية أو العاطفية. فهذا لا ينسجم مع الوصايا التي وردتنا من الأئمة العظام (عليه السلام) ولا يشبهها!! والإمام المعصوم (عليه السلام) يعلم أنّ في هذه الساعات الحساسة الباقية من عمره، ينبغي أن يودع هذه الأمانة التي سعى جاهداً من بداية إمامته لحفظها، متحملاً كلّ الآلام والمصائب العظمى، كما فعل مؤسس الثورة الإسلامية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام) من قبله. ولهذا، عليه أن يعهد بهذا الحمل إلى شخص يأتي من بعده ذي قوة متين ثابت القدم ليخلفه. فنراه يأتي إليه ليوصيه بأهم وصية، تساعده على حمل وحفظ هذه الأمانة. ماذا كانت تلك الوصية المهمة والنفيسة؟! نجد الإمام علياً بن الحسين (عليه السلام) ـ الذي، وإن لم تكن حالة شهادته كشهادة أبيه الحسين (عليه السلام)، إلاّ أنّه كان يعيش في ظروف مشابهة ـ يكشف النقاب عن تلك الوصية التي أوصاه بها أبوه (عليه السلام) ويعيدها على مسامع ولده الإمام الباقر (عليه السلام) كوصية أخيرة له. ويذكر ضمن ذلك أن هذه الوصية قد نقلها أبوه (عليه السلام) عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام). هذه الوصية التي انتقلت عبر السلسلة الطاهرة للإمامة، وكان كلّ إمام يوصي بها الإمام الذي بعده، هي الصبر:
"يا بني، اصبر على الحق وإن كان مرّاً". إنها تطلب منه أن لا يتردد أثناء سلوك طريق الحق، ولا يعير اهتماماً للموانع والعقبات. وإذا تم تشخيص العمل المطلوب في هذا الطريق فلا يرفع يده عنه، طالبة منه التحمّل والاستمرار.. ومن الواضح في ساحة المواجهة بين الحق والباطل أنّه لا وجود للراحة واللذة والعيش الهنيء، وإنّما المحن والبلاءات والمصاعب "وإن كان مُرّاً". هذه هي الوصية التي انتقلت من إمام إلى آخر. وشاهدنا كيف كان الأئمة (عليهم السلام) يعملون بها ثابتين عليها حتى آخر لحظات حياتهم، متقبّلين لكلّ العواقب التي تحملها إليهم، وكانوا حقاً مصداقاً بارزاً لهذا البيت الشعري الجميل:
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمرّ من الصبر وإذ تبيّن لنا من كلّ ما ذكرناه في الحديث الأول، أهمّية الصبر وموقعه في التعاليم الإلهية كجوهر نفيس وميراث غال طبّقه الأئمة (عليه السلام) طوال حياتهم، ننتقل إلى الحديث الثاني المروري عن أهل البيت (عليهم السلام) وقد ورد في كتاب فقه الرضا (عليه السلام) هكذا:
"نروي أنّ في وصايا الأنبياء صلوات الله عليهم اصبروا على الحق وإن كان مّراً". وهنا يبدأ الإمام حديثه بقوله "نروي"، وهذا يدل على أنّه ميراث نُقل لأهل البيت (عليهم السلام)، وهم قد سمعوه من آبائهم وأسلافهم، وهم ينقلونه بدورهم ويوصون به غيرهم. وجملة "أنّ في وصايا الأنبياء" تعني أنّ وصية الأنبياء (عليهم السلام) لورثتهم وأتباعهم وحملة أمانتهم وإلى تلاميذ مدرسة الوحي هو هذا الدرس:
"اصبروا على الحق وإن كان مُرّاً". وهي عين الجملة التي نقلها أتباع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) دون زيادة أو نقصان. ولعل هذه الجملة هي أقصر ما دل على أهمية الصبر، وفي نفس الوقت لها مغزى ودلالة كبيرة تفوق غيرها. وبعد هذا الاستعراض لأهمّية الصبر، ننتقل للتعرّف إلى موقع هذه الخصلة النفسية ودورها داخل مجموع المعارف الدينية بحيث إنها استحوذت على هذا القدر من الاهتمام عند أولياء هذا الدين وأئمته. موقع الصبر داخل التعاليم الإسلامية قبل الدخول مباشرة في الحديث عن موقع هذا المفهوم، أريد أن أبيّن المقصود من "الموقع" داخل المفاهيم والتعاليم الدينية. أول شيء هو أنّ الدين يمثل مجموعة المعارف والأحكام الحقوقية والأخلاقية. وهو يقوم على أسس فكرية يعبّر عنها بالرؤية الكونية التي يحملها عن العالم والإنسان. كذلك يتضمّن الأصول العملية التي تنبع من تلك الرؤية، وتبيّن طريقة تعامل الإنسان وسلوكه (الأيديولوجية العملية).
ثم يحدّد العلاقات الضرورية للإنسان، أي علاقته بالله وبنفسه وبغيره من البشر، وبالموجودات الأخرى في إطار تلك الأصول العملية، ويتضمّن وفق ذلك، مجموعة من الأوامر والتعاليم الأخلاقية التي تؤدّي إلى التكامل الواقعي على أساس السعي والجدّ، وذلك للنجاح في المجالات المختلفة للحياة الإنسانية المحتاجة في مسيرتها التكاملية إلى مثل هذه الأوامر والتعاليم. ولاشكّ أنّه في مثل هذا المذهب الاجتماعي توجد مسائل فردية (أي ما يرتبط بشكل مباشر بمصالح الفرد الشخصية)، وقضايا اجتماعية ترتبط بالجماعة البشرية وجماعة المسلمين. وإذا رجعنا إلى نقطة البحث الأساسية، نسأل:
ما هو دور الصبر وأثره ضمن هذه المجموعة من المعارف والمقررات التي تشكل الدين؟ وبعبارة أخرى، ما هو دور الصبر في تكوين الإنسان الذي آمن بالدين، بمعنى ما يجب الاعتقاد فيه من أصول وعقائد، والتزام بمقرراته وتعاليمه في العمل، وامتلاك الخصائص الأخلاقية التي دعا إليها هذا الدين؟ في الأشكال الهندسية ـ مثلاً ـ نجد أن للأضلاع والزوايا والانحرافات تأثيراً أساسياً في الشكل والتكوين. فما هو موقع الصبر وتأثيره في الشكل الهندسي للإيمان. وكمثال نقدُمه، إذا أخذنا حافلة نقل الركّاب التي صنعت لهذا الغرض، فهذه الحافلة إنّما تقطع المسافات الطويلة وتوصل الركّاب مع حوائجهم إلى المكان المطلوب بأمان لأنّ فيها وسيلة أساسية وهي المحرك. وهذا المحرك يحصل على قوة الدفع من خلال الوقود. فإذا جئنا إلى الصبر، يمكننا أن نعتبره محركاً لطائرة التكامل التي هي في موضعنا الدين الإلهي، أو الوقود الذي يدفع هذا المحرك.
فلو لم يكن الصبر موجوداً، لم يكن بالإمكان فهم منطق الدين الحق والسامي، ولما حازت معارفه التي تمثّل أرقى المعارف الإنسانية في العالم على موقعها هذا. كما أنّه من دون الصبر، لن يبقى الأمل وانتظار ذلك اليوم الذي ينتصر فيه هذا الدين، ولفقد المؤمنون به الثبات والقوة اللازمة. ولتوقف العمل بالتعاليم الدينية التي لا تريدها الغرائز البشرية الطاغية. وإذا فُقد الصبر يصبح الحديث عن الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الدين كلاماً لا معنى له. وهذا الاجتماع العالمي الذي هو الحج حيث يلتقي الناس من الأماكن البعيدة فإنّه سيتحول إلى مكان ساكن وخال، والحناجر المناجية في ظلمات الليالي ستخمد، وتفقد ساحة جهاد النفس بريقها وتنكمش عروق الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي حيث يبتعد الناس عن الإنفاق في سبيل الله. فلولا وجود الصبر، لكانت كل القيم العملية والأخلاقية للإسلام كالتقوى والأمانة والصدق والورع تودع في عالم النسيان. وخلاصة ما نريد ذكره أنه بدون شيء اسمه الصبر في الثقافة الإسلامية لبقي كل شخص بعيداً عن الإنسانية والدين اللذين يتطلبان السعي والعمل وبذل الجهد، وهي أمور لا تتحقق من دون شرط أساسي، هو الصبر.

فالدين هو العمل، والعمل بالصبر. وإنما ينفخ في تلك التعاليم والمقررات الدينية الروح والقوة ويجعل قطارها يتحرّك إنما هو الصبر. وبالبيان الذي تقدّم، نستطيع أن نفهم مغزى ومفاد هذا الإلهام الإلهي الذي وصلنا عبر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ـ باختلاف يسير في بعض الألفاظ من راوٍ إلى آخر ـ "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" . فالرأس له خصوصية بالنسبة للجسد في أنّه أساس وعماد الحياة، ومن دونه لا يبقى أيّ معنى للجسد ـ بينما إذا فقد الجسد أيّ عضو آخر من أعضائه الظاهرية كاليد والرجل و... فإنّه يبقى حياً. لكن الرأس الذي هو مركز القيادة والأوامر للأعصاب إذا فُقد وأُصيب بشلل تُصاب كلّ أعضاء البدن الأخرى بالشلل. ومن الممكن أن تبقى هذه الأعضاء حيّة ولكن لن تقدر على القيام بأيّ عمل أو تأثير. وعندها لن يكون هناك أيّ فارق بين حياتها وموتها. نحن نرى الأهميّة الكبرى للأدوار التي تؤديه الأعضاء كالعين اليد والرجل.. وهذا ما نلمسه بشكل واضح، ولكن كل ذلك إنّما هو بفضل وجود الرأس.. وهكذا الأمر بالنسبة للصبر. فعندما يُفقد الصبر، لن يبقى التوحيد ثابتاً، وكذلك النبوة وبعثة الأنبياء، فإنها لن تُحقق ما تصبو إليه، ولن تتمكن من تأسيس وبناء المجتمع الإلهي الإسلامي، واستعادة حقوق المستضعفين. بل إنّ الصلاة والصيام وسائر العبادات ستفقد الأساس والقاعدة التي تحتاجها. وعليه نجد أنّ الصبر يهب تلك الاعتقادات والغايات الدينية والإنسانية روح التحقق. ولو لم يثبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بداية البعثة على القول الحق، ولو لم يقف ثابتاً في مواجهة تلك الموانع والصعاب التي وقفت سداً أمام الإسلام، فمن المعلوم أن الإسلام لم يكن ليتجاوز أربعة جدران، أي بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه.
أما شعار "لا إله إلا الله" فكان مصيره الزوال والانحسار. إن الشيء الذي حفظ الإسلام هو الصبر. ولو لم يصبر أولياء الله وأنبياؤه العظام لم يكن ليصلنا أي شيء عن التوحيد. فالعامل الذي صان النداء الإلهي، وجعل حبل التوحيد متماسكاً وثيقاً، والذي سيحفظه إلى يوم القيامة أيضاً هو صبر حملة رايات هذا الفكر. فإذا لم تترافق المعتقدات والآمال البشرية مع صبر المعتقدين والمنادين بها، فإنّها لن تتجاوز اللسان، وتزول على أثر تلاطم أمواج حوادث التاريخ. وهكذا يتضح مفهوم "الصَبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد". وقد أشار أمير المؤمنين "عليه السلام" إلى ذلك في خطبته القاصعة في تحليله لثورة المستضعفين وانتصارهم على الطغاة، فيقول:
"حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم على الأذى في محبته، والاحتمال للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً، فأبدلهم العزّ مكان الذلّ، والأمن مكان الخوف. فصاروا ملوكاً حكماً، وأئمة أعلاماً، وبلغت الكرامة من الله لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم" .
هذه سنّة تاريخية وخالدة إلى الأبد، على هذا النحو. والصبر سيبقى على هذا الأساس سرّ ورمز تحقق المعتقدات الفردية والاجتماعية للدين في أهدافه القريبة والبعيدة. مواطن الصبر من خلال تفسير الصبر والذي اختصرناه بهذه الجملة القائلة بأنّه المقاومة لكل العلل والعوامل الموجودة للشر والفساد والانحطاط، يمكننا أن نمدد دائرة الصبر والمواطن التي تتطلب التحلي والتمسك بها. ومن الواضح في القرآن والأحاديث الشريفة أنّ الصابر المتمسك بالصبر قد وُعد بأجر عظيم في الدنيا والآخرة. ومن جهة أخرى لاشكّ بأنّ الذين يقفون مقابل حمَلة نداء الحق والعدل من الأبطال طليعة جيش الإسلام، والذين يلوثون أنفسهم في طاعة أربابهم النفعيين في ساحة هذه المعركة، والذين يحاربون دعوة الحق من أجل تحصيل المال والزاد والجاه، والذين يصدون عن الحق ويعارضونه انطلاقاً من أهوائهم، إنّ كلّ هؤلاء يشتركون مع الصّابرين على طريق الحق باسم ولفظ الصبر. هؤلاء قد يطلق عليهم لفظ الصابرين، ولكنهم بعيدون كلَّ البعد عن معنى الصبر. لأنّ كفاحهم وتحملّهم، لا يصبّ في طريق تكامل الإنسان، بل على العكس من ذلك، إنّهم لا يواجهون الأمور الباعثة على الشر والفساد والانحطاط، بل يقفون مقابل تجلّيات وإشراقات التكامل والسمو الإنساني ـ لذا فهم خارج دائرة مفهوم الصبر بالاصطلاح القرآن والروائي. لأنّ ميدان ومواطن الصبر الواقعي الحقيقي هو ميدان تكامل الإنسان. فهناك، حيث الهدف الحقيقي لخلق الإنسان، والمقصد النهائي للإنسانية، وصيرورة المخلوق عبداً حقيقياً لله، وظهور الطاقات والاستعدادات الكامنة من خلال التحرّك والسعي، هناك يتجلى معنى الصبر وموطنه، حيث ينبغي المقاومة والثبات مقابل الدوافع والعوامل المانعة من هذا السعي والتحرّك. تلك العوامل الذاتية أو الخارجية التي تعرضنا لذكرها، والتي غالباً ما تترافق في تأثيرها وتكون مصداقاً لمكائد الشيطان. وعندما نريد أن نسلك الجادة الخطرة لأداء التكليف الشرعية، ونتعرّض للمضايقات والموانع المختلفة، كالموانع السلبية والموانع الإيجابية وغير المباشرة، كما في مثال المتسلِّق السابق، فإنَّه أثناء تسلّقه قد تكون مشاهدة المناظر الخلابة أو رفقة صاحب موسوس سبباً في إلقاء الحمل على الأرض، وتبدّل العزم على الصعود إلى الخمود والإخلاد إلى ذلك المكان الجميل. وأحياناً أخرى يكون المرض أو الانشغال بمريض أو تذكر أمور محزنة ومؤملة، باعثاً على فتور العزيمة وعدم مواصلة السير.
وهذا الأخير مانع من نوع آخر وهو غير مباشر. هذه الأنواع الثلاثة من الموانع تقف على طريق تكامل الإنسان. فإذا اعتبرنا أن الواجبات الدينية وسائل هذا المسير، والمحرمات هي حركة انحرافية فيه، وأن الحوادث المرة والمؤلمة في الحياة تؤدّي إلى عدم الاستقرار النفسي وفتور العزيمة، يمكن أن نقسّم الموانع عندئذٍ على هذا النحو:
أ ـ العوالم المانعة التي تؤدّي إلى ترك الواجبات.
ب ـ العوامل التي تدفع نحو فعل المحرمات وارتكاب الذنوب.
ج ـ والعوامل التي تجلب حالة عدم الاستقرار وعدم الثبات الروحي. أمّا الصبر، فإنّه يعني المقاومة وعدم الاستسلام في مواجهة هذه العوامل الثلاثة، التي لاشكّ بأنّها تقف وراء الفساد والشر والسقوط. وبهذا التوضيح يمكننا أن ندرك عمق هذا الحديث الذي ينقله أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

الصبر ثلاثة

صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية".

وفي كل مورد من هذه الموارد الثلاثة، عندما تحدث الأمور والحوادث المؤلمة والمرّة في الحياة، وعندما يطلب من الإنسان القيام بتكليف ما، وعندما يدعوه أمر ما إلى ارتكاب معصية ما، فعندها يأتي دور ظهور قوة وبطولة الروح. ولكي يتضح معنى هذا المصطلح الإسلامي بشكل كامل نأتي على شرح كل واحد من هذه الأمور الثلاثة:
الصبر على أداء التكليف أمام كل تكليف أو واجب يوجد أنواع مختلفة من المصاعب والموانع. وهذا يعود إلى طبيعة الجهد المطلوب لأداء ذلك الواجب، وإلى روحية طلب الراحة في الإنسان. فمن الواجبات والتكاليف الفردية الشائعة كالصلاة والصوم وما هو مطلوب كمقدمة لها، إلى الواجبات المالية والإنفاقات والحج والوظائف الاجتماعية المهمة والواجبات التي تتطلب بذل النفس والنفيس وترك زخارف الحياة، كل هذه الواجبات لا تنسجم مع طبع البشر، الذي وإن كان طلباً للرقي والكمال، إلاّ أنّه محب للراحة والسهولة. وهذا الوضع موجود بالنسبة لجميع قوانين وأنظمة العالم سواء كانت سماوية أم وضعية، صحيحة أم سقيمة. وفي الأصل، رغم أنّ القانون لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للإنسان، وعلى هذا الأساس يقرّ به، لكنه بشكل عام لا يراه حلواً ولا يستسيغه. وحتى تلك القوانين الوضعية المتعارفة في العالم، والتي لها نتائج جلية وواضحة من الناحية الإيجابية، والكلّ يعلم عواقب مخالفتها ـ كقوانين السير ـ فإنها لا تخرج عن هذه القاعدة التي ذكرناها. ومع أنّ آلاف الحوادث الدامية والمأساوية تقع بسبب التساهل في مخالفة هذه القوانين، وعلى مرأى معظم الناس، لكننا قلما نجد سائقاً لا ينزعج من الوقوف عند الضوء الأحمر أو عندما يجد إشارة تمنعه من اختصار الطريق من خلال المرور في هذا الشارع. مثل هذا الوضع موجود بالنسبة للقوانين الآخرة أيضاً. فالتكاليف الدينية ـ رغم أنها شُرّعت على أساس الفطرة الأصيلة للإنسان وطبق الحاجات الواقعية له، وهي وسيلة لتكامله ورقيّه ـ عندما تنزل إلى ساحة العمل تُقترن بالصعوبة والمتاعب بغض النظر عن حجمها. الصلاة ـ مثلاً ـ التي لا تتطلب من الإنسان سوى بضع دقائق، بالإضافة إلى ترك المشاغل الضرورية أو غير الضرورية، وتحصيل المقدّمات الضرورية كاللباس والمكان.

كل هذه الأمور مخالفة للطبع والميول النفسانية. وفي أثناء الصلاة، فإنّ تحصيل حضور القلب والتوجّه إلى أفعالها وأذكارها، وطرد كل الخواطر والواردات وكل ما يشغل عن الله، وإقفال أبواب الروح على الأفكار الطارئة، هي بمثابة شروط لازمة لكمال الصلاة وتحقق آثارها. وهي لهذا عمل مليء بالمشقة يستلزم قوة ورأسمالاً كبيراً. وإذا جئنا إلى الصوم، نجد أنه يتطلب أيضاً الامتناع عن الأكل والشرب لساعات عدة، مع مجاهدة شهوة الأكل، وعدم الاعتناء بمطالب البطن والفرج، وهذه أعمال صعبة، تحتاج إلى قوة مقاومة وتحمّل. وعندما تتيبس الشفاه، وتعصر البطن الخالية في يوم صيفي حار، ينبغي امتلاك رأسمال كاف مع إرادة وعزم ـ وهكذا في الحجّ الذي يتضمّن عناء السفر والبعد عن الأهل والديار والالتحاق بمجموعة من الغرباء وصرف مبالغ من المال ـ كل هذه اللوازم ينبغي أن لا تترافق مع نية الرغبة بالسياحة أو التجارة. بل إنّ الهدف يكون "حج بيت الله" فقط. وهذا أمر صعب. وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله. ولعلّنا لا نحتاج إلى إيضاح صعوبة ومتاعب هذه الفرائض.

فالعقبات التي تقف في طريقها معلومة للجميع. إنّ إعلان كلمة الحق وإيصالها إلى أهل الباطل، والاستعداد لتحمّل كل المرارات والآلام عند مواجهة سلطان البغي الذي يشهر سيفه ويرفع سوطه، والوقوف في وجه الذئاب المفترسة التي يلمع من عيونها بريق السيوف الحادة الذي ينفذ إلى أعماق القلب، إنّ هذه المقاومة ليست بالأمر السهل سواء بالنسبة لأمّة أو فرد، بل هي من أشدّ الأعمال وأخطرها. هذا هو حال الواجبات والتكاليف الإسلامية. فهي ملازمة للمحن والمصاعب والآلام، رغم أنّها بحدّ ذاتها تتضمن المواد اللازمة والأكثر فائدة وضرورة لصلاح البشرية وسعادتها. ولاشكّ أن الأمر سيكون بالنسبة للذين عرفوا الطريق الصحيح والمستقيم لذيذاً، لأنه في سبيل الله ونحو الهدف المقدس والسامي للإنسانية. فبالنسبة لهؤلاء تتحول كل المرارات والآلام إلى شيء عذب وقابل للتحمّل. فنفس الصلاة التي ذكرنا فيها تلك الشروط، هي لذيذة وحلوة عند أهل الله الذين تذوقوا حلاوتها واستعذبوها. لها نرى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يحين موعد الصلاة يقول لبلال المؤذن:
"أرحنا يا بلال". وهكذا في الجهاد في سبيل الله، فهو عند أصحاب القلوب القوية كأمير المؤمنين (عليه السلام)، يبعث فيهم النشاط والحيوية، ويرونه طريقاً للسعادة والثبات. وفي خطبة له (عليه السلام)، في نهج البلاغة يوضح أمير المؤمنين (عليه السلام) ملامح تلك الروحية العالية والمدهشة، فيقول:
"ولقد كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ولا يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم". بعد هذا العرض، نطرح السؤال التالي وهو:
ما الذي يجب فعله لمواجهة هذه المشقات والمصاعب الموجودة عند القيام بالتكاليف الدينية؟ فهل يمكن ترك الصلاة لأنّها صعبة، أو نترك تحصيل حضور القلب ومنع الواردات والخواطر لأنّه أمر صعب! وكذلك في سائر التكاليف من جهاد وحجّ وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وغيرها من التكاليف الاجتماعية التي تتلازم مع التعب والمشقة، فهل يصح أن نقف مكتوفي الأيدي أمام القلب للأهواء وطلب الراحة والسهولة؟ هنا يأتي جواب الإسلام قائلاً لا يصح ذلك بل يجب الصبر، الصبر على الطاعة.

ويجب علينا أن نواجه تلك الوساوس التي تظهر أثناء الصلاة وتريد أن تخرج القلب عن حالة الحضور وتنسيه أنّه قائم في محراب العبادة، وعلينا أنّ نصبر على ذلك حتى نوصل الصلاة إلى كمالها وتُحقِّق ثمرتها. وفي مقابل الأهواء الكثيرة والقوية التي تدفع الإنسان للإفطار أثناء صيام يوم طويل وحار من شهر رمضان، علينا بالصبر والمواجهة. وعندما ندخل إلى ساحة المواجهة مع العدو الذي يكشر عن أنياب العداء يريد أن يجرعنا كأس الموت الأحمر يجب أن نسارع، ونبتعد عن كلّ ما يذكرنا بلذات الدنيا وحلاوة الحياة والأبناء والأعزاء والمشاغل المادية والمصالح الخاصّة، وكلّ ما من شأنه إحداث التزلزل وضعف الإرادة.
يجب علينا أن نبعد كل هذه العوامل المانعة للاستمرار والتقدم نحو تحقيق الانتصار.

عندما نقول يجب الصبر، يعني أن لا نسمح بتسلل الخوف إلى قلوبنا من جراء تهديد ورعيد الظالم الذي يؤدي إفساده وطغيانه إلى فساد الأمّة وانحطاطها، بل علينا أن نلقي من على سطح الصبر العالي سطل فضائحه وذلته. عندما نقول يجب الصبر، أي يجب مواجهة إغواء الشيطان الذي يظهر بألف لون ولون لمنعنا من الإنفاق والعطاء، من خلال تذكيرنا بحاجاتنا الخاصة وإشغالنا بمصالحنا وحب التكاثر وجمع الأموال، وبالتالي لمنعنا من القيام لأداء وظائفنا المالية (كالخمس والزكاة والصدقة..)، وجعل إضاءة بيوتنا أولى من إشعال شمعة في المسجد. علينا أن نقاوم، وأن تكون مقاومتنا بكل ما ينبغي علينا القيام به. ففي ساحة القتال يجب الصمود والثبات، وفي ميدان جهاد النفس ينبغي الاستقامة، وفي محل آخر يجب عدم الاعتناء بالفقر ووساوسه. هذه المقاومة هي الصبر. فالصبر ليس الاستسلام وتكبيل الأيدي وأسرها بالأحداث اليومية والغفلة عما يجري.

الصبر علی الطاعة فی حیاة الأئمة (علیه السلام)

فی الزیارات التی یزار بها الأئمة (علیه السلام)

نجد أنّ من جملة الخصال الواردة التی یتم الترکیز علیها هی الصبر "صبرتَ، احتسبت.."، نتوجه إلی الإمام قائلین إنک قد صبرت واحتسبت عند الله، ونهضت فی سبیل الله، وحملت الأمانة مع وجود کل تلک المشقات والمصاعب وأدّیتها.. حقاً، لقد کانت مسؤولیة هدایة الناس وبیان الحقائق المکتوبة ومواجهة الطغاة ومحاربة الظلم والفساد مسؤولیة ملیئة بالمصاعب والآلام التی تحتاج إلی صبر ومقاومة. وبالیقین، لو کان صبر الإمام بأن یبقی حزیناً ومغموماً لما یری من الأوضاع السیئة فی زمانه، ویحترق قلبه لما یجری علی الإسلام والمسلمین، وهو جلیس البیت مع تجرع الآلام والغصّات، دون أن یتحرک لأجل القضاء علی الفساد وتغییر الأوضاع القائمة وإصلاح المجتمع والنهوض به، لم یکن لیعد ذلک من جملة فضائله ومفاخره. لأنّ هذه الأمور یمکن أن تکون فی أی شخص، وخصوصاً فی الأفراد الضعفاء واللامسؤولین. إن هذه الفضیلة إلی وردت فی الزیارات. وهی خصلة بارزة فی حیاة الإمام (علیه السلام) والتی ینبغی أن تکون بالنسبة لنا درساً ملهماً، بحیث نکرره دائماً، هی الصبر علی وظیفةٍ عَجِز الناس عن حملها وأدائها، هی الصبر علی الطاعة وأداء التکلیف. نظرة إلی القرآن إذا نظرنا إلی عشرات الآیات التی تتحدّث عن الصبر والصابرین، نجد أنّ الصبر علی الطاعة یأتی ضمن أقسام الصبر. فقوله تعالی مثلاً:
{إن یکن منکم عشرون صابرون یغلبوا مائتین وإن یکن منکم مئة یغلبوا ألفاً بإذن الله}. فی هذه الآیة یرینا الله أن الصبر لیس هو إلا المقاومة والثبات فی مواجهة العوامل الصعبة والشاقة التی تعترض المجاهد فی ساحة الحرب والقتال لثنیه عن الاستمرار. وهذا المعنی فی الآیة شدید الوضوح. أما والصّابرون الذین أشیر إلیهم فی هذه الآیة فهم الذین لا تمنعهم بوارق السیوف وتهدیدات الأعداء من القیام بتکالیفهم، کما لا یمنعهم ذکر الأبناء والأحبة والحیاة الهانئة والمریحة من الجهاد والقتال، ولا تتزلزل أقدامهم فی هذه الطاعة. ونأتی إلی آیة أخری حیث یقول تعالی:
{ربَنا أفرغ علینا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا علی القوم الکافرین}.

فذکر فیها تلک الفئة المؤمنة التی تتجه نحو میدان القتال للقیام بواجبها، وقد أعدّت نفسها وتجهزت لمواجهة ذلک العدو القوی، طالبة من الله تعالی أن یهبها روح الثبات والمقاومة لمواجهة الموانع التی تقف حائلاً أمام الاستمرار، والوصول إلی الثمرة التی هی الانتصار. وهناک آیات عدیدة فی مجال الصبر علی الطاعة یتطلب بحثها تفصیلاً ومجالاً أوسع. الصبر عن المعصیة فی کل إنسان یوجد میول طبیعیة ورغبات تدفعه للقیام بأعمال والامتناع عن أخری. وهی فی الحقیقة سبب للاندفاع وبذل الجهاد فی مراحل الحیاة الإنسان کافة. وتسمی هذه المیول بالغریزیة، التی من مصادیقها وأمثلتها محبة الأبناء وحب المال وطلب القدرة والمیول الجنسیة وعشرات المیول الأخری. ولنری الآن کیف حکم الإسلام علی هذه الغرائز الإنسانیة؟ وکیف حدد الأطر المناسبة لمواجهتها والتعامل معها؟ فهل یجب القضاء علیها وکبحها من خلال الریاضات الشاقة وبشکل کلی وتام؟! أم أنه لا یوجد أی تقیید، ولا یجب مراعاة أی شرط فیها، بل علی الإنسان أن یستسلم لها لتأخذه حیث ترید؟! فی الجواب، نقول إن الإسلام لا یعتبر کلا الأسلوبین علاجاً سلیماً وصحیحاً. فهو لا یغض النظر عن وجود هذه الغرائز البشریة، بل یعتبر أنها أمر واقعی لا ینبغی تجاهله، ویعتبرها مفیدة. لکنه من جهة أخری یسد باب طغیانها وتعدیها وانحرافها، وذلک من خلال سلسلة من الإجراءات الفعّالة ووضع حدود واقعیة لها. وفی الواقع، نجد أن أصل وجود الغرائز فی الإنسان إنما کان وسیلة لاستمرار الحیاة، والقیام بمتطلباتها الأساسیة، کما أن طغیانها فی المقابل وانحرافها یؤدی إلی القضاء علی هذه الحیاة ورقیّها. فإذا جئنا إلی غریزة حب النفس، نری أنها لو لم تکن موجودة لما استمرت الحیاة علی الأرض (فبسببها یدافع الإنسان عن نفسه ویدفع عنها المخاطر والمهالک), ولکن طغیان هذه الغریزة وخروجها عن الحد المطلوب یؤدی إلی جعل هذه الحیاة سلسلة من المتاعب والمصائب، حتی إن الأمر قد یصل أحیاناً إلی استحالة العیش. وعلی هذا قِسْ جمیع الغرائز الأخری.. هنا یأتی دور الصبر عن المعصیة، والذی هو أحد الأنواع الثلاثة للصبر.
وهو مقاومة نیران وطغیان هذه الغرائز وانحرافاتها. ذلک لأن أساس المعاصی والذنوب هو هذا الطغیان والانحراف. والإنسان یمیل بشکل طبیعی نحو تأمین وسائل الحیاة وحاجاتها الأساسیة. ولأنها لا تتیسر عادة بدون المال والثروة، نراه یسعی إلی تحصیلها. وهذه إحدی مظاهر الغریزة الإنسانیة. والإسلام الذی یمثل المدرسة الإنسانیة، والطریق الذی ینبغی أن یسلکه الإنسان فی الحیاة، أقر هذه الحاجة. ولکن، لکی یتحقق النظام فی المجتمع بشکل صحیح وضع مجموعة من المقررات والقوانین لتحصیل هذا الأمر الغریزی (تحصیل المال)، فهو لا یمنع مطلقاً من السعی وبذل الجهد لتأمین لحاجات العیش. مع ذلک، هناک موارد عدیدة تخرج فیها هذه الغریزة عن حد الاعتدال، فیصبح جمع المال واکتنازه کمرض مزمن یتجذّر فی نفس الإنسان، ویصیر المال عندها هدفاً عزیزاً بدلاً من کونه وسیلة لتأمین الحاجات الأساسیة، ویتحول إلی وسیلة لتحقیق المآرب اللاإنسانیة وسبباً للتفاخر. وکل هذا ممنوع ومرفوض فی الرؤیة الإسلامیة. وهنا، یتدخل الإسلام لیقدم لأتباعه دستور الصبر، أی یأمرهم بالوقوف فی وجه هذا الطغیان ومقاومة هذا الانحراف فی الغریزة. فعند جموح غریزة حب المال علی سبیل المثال، یتجه الإنسان إلی تعاطی الربا والاحتکار، وینجر نحو القیام بمعاملات أو تصرفات غیر لائقة بحقه. والصبر هنا یعنی مقاومة العوامل المؤدیة إلی هذا الفساد وغیره. وإذا جئنا الآن إلی المیل الطبیعی فی الإنسان نحو القدرة، نری أنه لو فقد هذا المیل فإنه سیقبل بالذل والهوان والحقارة، ونحن علی یقین بأن مثل هذا الإنسان منحرف الفطرة ومعوَّج فی طبیعته. لهذا، جاء الإسلام ـ بالنسبة لهذه الموارد ـ بأسلوب یمکن استعماله والاعتماد علیه لأجل توجیه هذه الفطرة توجیهاً صائباً.
ففی مثل هذا المثال المتعلق بالقدرة، یجوز أن یسعی الإنسان لامتلاکها. وفی بعض الأحیان یصبح هذا السعی أمراً واجباً وضروریاً کما فی مثل إحقاق الحق وأداء التکالیف الاجتماعیة المهمة واستعادة الحقوق المسلوبة، أو عند إجراء الأحکام والحدود الإلهیة. فی بعض الأحیان یصبح هذا السعی فریضة واجبة علی الجمیع. ومن جهة أخری، سد الإسلام طریق جموح هذه الغریزة، عندما تتحول إلی وسیلة لظلم الآخرین والتسلط علیهم لاقتراف الجنایات، فی مثل أجهزة الظلمة والطغیان ومعونتهم. هذا السد والوقوف أمام هذا المیول الجامحة هو الصبر عن المعصیة. وهناک أمثلة أخری علی الغریزة الجنسیة وغریزة التعلق بالحیاة، وغیرها مما یعد البحث حوله طریقاً للإطلاع علی الکثیر من المسائل الفردیة والاجتماعیة المهمة. أهمیة الصبر عن المعصیة من خلال هذا الإیضاح الموجز، وبالاستلهام من الروایات والتعالیم الإسلامیة التی تزخر بالمعارف الاجتماعیة یمکننا أن نستکشف الأهمیة التی یحظی بها الصبر عن المعصیة وطغیان الغرائز. ففی عدة روایات قصیرة وردت کل واحدة منها فی وضع خاص بصورة درس بنّاء للمسلمین المجاهدین فی عصور الأئمة (علیهم السلام)، تمّ التأکید کثیراً علی هذا النوع من الصبر، لعله بسبب أن طی طریق النوع الأول من الصبر (الصبر علی الطاعة) متلازم مع الشوق والرغبة الطبیعیة فی الإنسان، ذلک الشوق للسعی والتحرک. فی حین أن عدم الانحراف وعدم الانصیاع للموانع التی تنسجم مع الغرائز الطبیعیة والمیول الداخلیة (أی النوع الثانی من الصبر وهو الصبر عن المعصیة)، لیس فاقداً للرغبة والغریزة الطبیعیة فحسب، بل یقف فی مقابل هذه الرغبات والمیول. فالصبر من النوع الأول، وإن کان من جهة عبارة عن مقاومة لنوع من المیول الطبیعیة کحب الراحة وطلب السهولة و.. لکنه من جهة أخری یترافق دائماً مع نوع آخر من المیول التی تساعده علی الصبر، وإن کانت ضعیفة لکنّها طبیعیة. أما النوع الثانی من الصبر فهو متعارض من جمیع الجهات مع المیول والرغبات الطبیعیة النفسانیة.
ولهذا تکون المقاومة فیه أصعب، ومن هذه الجهة له الأفضلیة. کما أننا نری أنّ الدور المصیری للصبر عن المعصیة کان الأبرز فی تأثیره علی الأحداث الاجتماعیة، ویمکن أن یکون هذا الأمر دلیلاً إضافیاً لترجیح هذا النوع من الصبر علی النوع الأول. نموذج من التاریخ وإذا أخذنا نموذجاً مما ذکرناه، نقف عند وجهین معروفین فی تاریخ الإسلام لنقارن بینهما. الأول هو الوجه الساطع والجمیل، والثانی هو الذی یبعث علی النفور والاشمئزاز. کلاهما مرّا فی ظروف متشابهة تماماً.
ویکن القول بأنهما وصلا معاً إلی نفس مفترق الطریق بعد أن کانا یسیران معاً علی خط واحد، فاختار الأول طریقاً غیر الآخر، وصار بسبب هذا الاختیار فی عداد أعظم وأعز الوجوه الإسلامیة، أما الثانی فقد دخل باختیاره فی زمرة المتوحشین الملعونین فی التاریخ. وهذان الشخصان هما الحر بن یزید الریاحی الذی کان قائداً لقسم من الجیش الأموی والذی توجه للوقوف بوجه ثورة الإمام الحسین (علیه السلام)، والثانی هو عمر بن سعد الذی قاد الجیش الأموی للقضاء علی الإمام (علیه السلام). کان الحر فی طلیعة الذین اعترضوا حرکة الثورة الحسینیة المتجهة نحو العراق، وکان مع عمر بن سعد علی نفس الخط والتوجه، وهدَّدا معاً الثورة بقوة حاکم زمانهما.
کان الإمام الحسین (علیه السلام) قد نهض انطلاقاً من تکلیفه الإلهی والتعالیم الإسلامیة وشعوراً منه بالمسؤولیة الکبری ـ لتلقین وإظهار درس عملی أساسی فی الإسلام ـ من خلال العمل الثوری ضد الحکومة الأمویة والنظام الفاسد المنحط المتسلط علی المجتمع. ولأن هذا التحرک کان یمثل تهدیداً مباشراً للنظام الحاکم، وضعت الحکومة کل قواها وإمکانیاتها لمواجهة هذه الثورة. وکان هذان الرجلان (عمر بن سعد والحر بن یزید) فی عداد هذه القوی التی توجهت نحو إخماد هذه الثورة والقضاء علی باعثها الإمام الحسین بن علی (علیه السلام). فکانا بذلک حجرین أساسیین علی رقعة اللاعب الواقعی؛ الخصم للثورة، وهو الخلیفة الغاصب یزید بن معاویة. وکان یزید یحرکهما کیفما یشاء لتحقق ما یرید. ولکنهما أیضاً کانا قد انساقا وراء تحقیق رغباتهما وإشباع غرائزها الحیوانیة. لذا نراهما قد أقدما علی ما أُمرا به من قبل الخلیفة الغاصب. وکان عمر بن سعد قد توجه إلی کربلاء لقتال الإمام مندفعاً بجنون حب السلطة وتحصیلها. بما أنه لم یکن مؤمناً واقعیاً وعارفاً بالدین، فقد کانت ولایة "الری" عنده أهم وأعز بکثیر من یزید وتنفیذ أوامره. وکان الحر بن یزید أیضاً منساقاً وراء شیء من هذا القبیل حین توجه إلی کربلاء. وکل واحد منهما کان یعلم أن ما یفعله هو ذنب ومعصیة کبری، إلا أنّ المیول البشریة وطغیان غریزة حب الجاه والسلطة وعبادة الأنا لم تدع لهما مجالاً للتفکیر بقبح العمل المقبلان علیه، وکانا یسیران علی طریق، نهایته أن یصبحا أحقر متوحشی البشریة وأرذل المجرمین. لقد کانا علی مفترق طریقین:
الأول هو هذا الانسیاق للمیول النفسانیة التی برزت بصورة غریزة حب الجاه والسلطة، والثانی هو القیام بالواجب الإسلامی عبر الالتحاق بالثورة المنادیة للحق بقیادة الإمام الحسین (علیه السلام). إن الأمر الذی کان یمکن أن ینجیهما فی هذه اللحظات الحساسة هو الصبر. الصبر فی مواجهة المیول والرغبات المهلکة لنفس الإنسان، ومقاومة القوة البطاشة (جیش یزید)، أی الصبر عن المعصیة والذنب. لم یستطع عمر بن سعد أن یصبر فی هذا المنعطف المصیری، ولم یتمکن من مقاومة هذه الدوافع نحو الشر والفساد. فطوّق عنقه بحبل حب المقام والمنصب الذی ساقه إلی جهنم.. لم یستطع السیطرة علی ضعفه وعجزه رغم أنّه کان یبدو فی الظاهر قویاً ومقتدراً، ولم ینفعه أی شیء من ذلک فی عدم السقوط إلی الهاویة. وإذا جئنا إلی الحرّ بن یزید نراه قد بلغ نفس ذلک المنعطف الذی وصل إلیه عمر بن سعد. فلو أنه فی حینها سار خلف میوله واستسلم لها، وأنجز الأوامر التی صدرت إلیه من الحاکم، ولم ینصت إلی نداء عقله الموقظ، وصدّق خدع نفسه بأنه عبد مأمور معذور، لاشک أنه لو فعل ذلک لکان الطریق مفتوحاً أمامه لنیل الرئاسة والمنصب. صحیح أنه لم یکن موعوداً بولایة الری، لکنه کان من المسلّم أن یعطی ولایة أخری.
وکان حبل الحرص والأهواء الفاسدة یطوق عنقه بحکم أنه بشر، ویرید أن یسوقه أیضاً إلی الجحیم.. وهناک وقف بین المعسکرین؛ الأول ینال به الجنة نقداً، حیث یفور نبع أصالة الإسلامیة وتتجلی عظمة روح الإنسان. والثانی یدخل به جهنم سراعاً، فی العسکر الیزدی حیث مظهر الانحطاط والذل، وساحة الکذب والخداع، وقلعة الجاهلیة التی تتحکم بالمجتمع باسم الإسلام. هذان هما المعسکران اللذان وقفا وجهاً لوجه. وصحیح أن میول الانحطاط هی التی جاءت به إلی هذا المکان، ولکن فجأة ظهرت قوة بطولیة قاهرة ویقظة سارعت إلی نجدته، وعند لحظة سقوطه استطاعت أن تقطع ذلک الحبل الذی طوّق عنقه، ونجی من خلال مقاومة تلک الدوافع والرغبات بالصبر قافزاً من دائرة الجحیم إلی فلک الجنة! فی هذه الأحداث الملیئة بنماذج الصبر، یتبین بکل وضوح للمتعمقین فی دراسة التاریخ الدور المهم جداً لهذا النوع من الصبر ـ وهو الصبر عن المعصیة ـ فی تشکُّل الجبهات العظیمة للحق والباطل والتی بدورها تمثّل التفسیر الواقعی والنهائی لتاریخ البشریة. نماذج أخری للإطلاع والبحث فی نماذج هذا النوع من الصبر، ینبغی أن نستحضر فی أذهاننا أشکالاً مختلفة من الانحرافات والذنوب الکبیرة، لنشاهد فی کل واحدة منها الدور المهم للصبر. قبضة ید ترید أن تنهال علی رأس مظلوم دون مانع أو رادع، فهنا أحد موارد الصبر.
فدوافع الغضب، الحمیة، التکبر، وأذیة الآخرین، کل هذه لها جاذبة خاصة وقویة تجعل هذه الید تتجه لضرب هذا البریء. فالصبر هنا معناه مقاومة هذه الجاذبة، وعدم الانجرار وراءها لأذیة الآخرین. والمیل لجمع الثروة یمثل عاملاً وباعثاً للانحراف یقود صاحبه إلی ارتکاب الجنایات والمعاصی. والصبر فی مورده یعنی مقاومة هذا المیل وغض النظر عن الأرباح والمنافع التی تجر نحو ارتکاب المعصیة. کذلک المیول الجنسیة، فإنها من أقوی المیول بحیث إنها تهزم الأقویاء والأبطال وتجذبهم إلیها. وبسبب هذه الجاذبة الساحرة، کانت هذه المیول وسیلة مناسبة جداً استخدمها أعداء البشریة لأجل إفساد أصحاب النفوس المقاومة وجرّهم نحو الانحطاط والتسافل. والصبر هنا یعنی مقاومة هذه المیول والرغبات التی تجر نحو المعصیة. وإذا جئنا إلی الخوف، فهو غریزة أساسیة فی الإنسان. ولکنّه فی بعض الموارد مثل حادثة کربلاء، یصبح عاملاً سلبیاً یجرّ صاحبه نحو الذلّ والهوان وارتکاب الجرائم العظمی. وما أکثر الضعفاء الذین استسلموا خوفاً علی النفس والأموال والمناصب والأبناء، واقترفوا بسبب ذلک أبشع الجنایات، وأسقطوا حیثیتهم الإنسانیة الشریفة إلی درجة صاروا فیه آلات تتحرّک من دون إرادة ووعی. فمقاومة مثل هذا النوع من المیول الشریرة المفسدة هی شکل آخر من أشکال الصبر. نظرة إلی الروایات بعد أن وضعنا أسس فهم معانی الصبر عن المعصیة، یمکننا أن ننتقل إلی الروایات التی وردت عن الأئمة المعصومین (علیهم السلام) فی هذا الشأن لنأخذ منها الدروس والعبر. فعن الأصبغ أنّ أمیر المؤمنین (علیه السلام) قال:
"الصبر صبران، صبر عند المصیبة حسن جمیل، وأحسن من ذلک الصبر عما حرّم الله علیک". (وفیما یتعلق بالصبر عند المصیبة سنبیّن تقسیماً آخر فی مورده). الروایة الثانیة عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال:
قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم):
"سیأتی علی الناس زمان لا ینال الملک فیه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنی إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدین واتباع الهوی، فمن أدرک ذلک الزمان فصبر علی الفقر وهو یقدر علی الغنی، وصبر علی البغضة وهو یقدر علی المحبة، وصبر علی الذل وهو یقدر علی العز، آتاه الله ثواب خمسین صدّیقاً ممن صدّق بی". وهذه الروایة التی ینقلها الإمام الصادق (علیه السلام) عن رسول الله تتحدث عن مستقبل الأمة الإسلامیة بقوله "سیأتی زمان". وسرعان ما أتی ذلک الزمان الدموی الذی تسلط فیه معاویة وابنه علی الأمة الإسلامیة بالقتل وسفک الدماء وإعمال القوة والتجبر. فأصبح تحصیل الثروة من خلال غصب حقوق المظلومین والاعتداء علی الطبقات الضعیفة واستغلال عامة الناس والإمساک عن أداء الحقوق المالیة وعدم الاعتناء بحاجات المحرومین. وصار المنحی الطبیعی للمجتمع الإسلامی أن لا توزع الثروة علی الجمیع، وبدون الظلم لا یتم تأمین المال والثروة. وعلیه فإن بناء الثروة صار علی أساس حرمان الغیر وظلمهم. ولقد تحقق هذا الأمر کما شاهدنا. أما تحصیل المحبة، فلم یعد الحصول علیها ممکناً إلا بإخراج روح التدین من الحیاة، واتباع الهوی النفسانی، أی من خلال التملق والکذب والنفاق والخداع، وإخفاء العیوب التی ینبغی الإعلان عنها بصوت عال، وقلب الحقائق، ونسیان الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر و... فبهذه الطرق کان السلاطین والقادة الفاسدون یجلبون قلوب الناس.
ولو کان الإنسان ملتزماً بمسؤولیاته الإسلامیة، فإنّه لن یُجری علی لسانه الکذب والتملّق، وسیعلن بوضوح عن الانحراف والاعوجاج الموجودة فی المجتمع أو داخل طبقة المقتدرین وأصحاب السلطة، ویبیّن الحقائق، ولن یخدع عامة الناس بوعود کاذبة وفارغة، ولن ینسجم مع الأوضاع السیئة، وسوف یوضح بکلماته المرّة التی هی دواء لسخط الناس، وخنجر حادّ فی خاصرة المتسلطین، کل المساوئ والانحرافات. ومثل هذا الشخص فی المجتمع الذی تحدث عنه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) سیسقط من العیون ویحرم من العاطفة والتأیید. هذه الجملة الملیئة بالمغزی تشیر إلی تدنّی وانحطاط مستوی فکر ووعی الناس وسقوط القیم الإسلامیة فی معیار المجتمع المنحط، وانقلاب الأحکام والموازین العامة ونشوء التیارات المنحرفة فی حیاة الناس.

ومن الواضح جداً أنّ ظهور وبروز مثل هذه الأوضاع فی شعب کان نمط وشکل حیاته فی البدایة علی أساس القیم الأصیلة، وفی شعب کان قطار مسیرته علی سکة الفکر والمنهج الإسلامی، لم یکن إلا علی أیدی الظلمة والمستبدین ومن خلال مخططاتهم المعدّة بدقة. وعلی أساس هذه الجملة یمکن التعرّف إلی الأحداث السیاسیة المؤلفة والمأساویة فی تاریخ الإسلام. وفی صورة أخری نجد أنّ الناس عندما کانوا یجلسون فی محضر أمیر المؤمنین (علیه السلام) لم یکونوا یرون فی وجه هذا الإمام العظیم وسلوکه إلا الحدیث عن خطورة الذنوب والانحراف، وضرب الجانی والمنحرف بسوط الغضب والانتقام الإلهی. وهذا أخوه عقیل، عندما طلب منه بعض المال (مما لا یستحقه) رأی فی یده (علیه السلام) حدیدة محمّاة، وسمع منه کلام التأنیب والملامة.
بینما فی الجانب المقابل، نری نفس عقیل أو أشخاصاً غیره عندما کانوا یأتون معاویة طلباً للمال، یقابلون ببشاشة الوجه والأکیاس الملیئة بالمال والذهب دون حساب أو کتاب. فمن الطبیعی عندئذٍ أن یفضِّل هؤلاء الناس ـ الذین لا ینساقون بالمنطق والفکر الإسلامی الصحیح ـ محبة معاویة عن محبة علی (علیه السلام)، ویقبلوا به ویؤیّدوه. ولا ینبغی أن نتصور أن معاویة لم یکن محبوباً من قبل أبناء زمانه من سکان الکوفة والمدینة، فحتی أولئک الذین عاشوا فی کنف أمیر المؤمنین (علیه السلام)، وتعرفوا علی تعالیم الإسلام الأصیلة، بالإضافة إلی المنتشرین فی أرجاء البلاد الإسلامیة، ورغم القمع الفکری الذی فرضه التیار الأموی والإعلام الذی بثه معاویة، کانوا یعتبرون معاویة شخصاً محترماً ولائقاً، ویلقبونه "خال المؤمنین"، وقد ساعده علی ذلک طبیعته المخادعة ودهاؤه. لهذا کان هناک الکثیر من الناس ممن یرونه شخصیة قویة ومحبوبة. وقد سلک معاویة مع رؤساء القبائل و وجهائها مسلکاً مکّنه من إخضاع عقول الناس وقلوبهم له، وذلک بإغرائهم الدائم بالمناصب وبذل العطاءات والأموال بسخاء لهم مع تسلیطهم الکامل علی الأبریاء الذین لا ملجأ لهم.. وکان لکل هذه الطرق أثر کبیر فی إیصال وضع الأمة الإسلامیة إلی الحالة المذکورة. ونجد أیضاً أن الذین استفادوا من هذا الوضع، ولکی یردوا الجمیل لولی نعمتهم، ولکی یحافظوا علی امتیازاتهم، یطلقون ألسنتهم بالمدح والثناء علی معاویة، ویقلبون فی أعین الناس عیوبه إلی حسنات. فکیف سنشاهد فی منظار عصر الرسالة مستقبل العالم الإسلامی؟! وفی مقابل هذا الوضع والنظام الفاسد الذی سیحصل، ماذا یکون تکلیف الناس؟ إذا رجعنا إلی الحدیث المروی عن الإمام الصادق (علیه السلام) سنجد الجواب علی هذا السؤال. إنه نفس الجواب الوارد فی معنی الصبر "فمن أدرک ذلک الزمان.." أی واجه وضعاً مثل الذی ذکر فی الروایة، سواء کان فی العهد القریب من عصر الرسالة أو البعید منه. "فصبر علی الفقر وهو یقدر علی الغنی"، أی قاوم جموح شهوة جمع المال وتحصیل الرفاهیة فی الحالة التی یستطیع فیها أن یکون مثل غیره من الناس الذی یقفون موقف المتفرِّج علی مثل تلک الأحداث الوقائع فی زمانهم، ویمشون وفق النهج السائد الموصل إلی الثروة ـ أی بقبول الذلّ والهوان واقتراف الجنایات وتکبیل الفضائل بالسلاسل والأغلال وعدم المبالاة بالعقیدة الصحیحة ـ ویکون ذلک علی حساب بقاء آلاف الناس فی الفقر وهو یتمتع بلذیذ الأطعمة مع وجود جموع غفیرة من الجائعین الذین لا یجدون لقمة یسدون بها رمقهم، فمع کل ذلک:
"صبر علی الفقر وهو یقدر علی الغنی"، أی صرف بصره عن کل تلک الأشیاء. و"صبر علی البغضة وهو یقدر علی المحبة" أی صبر علی أن یکون منبوذاً أو سیّء الذکر لأجل مقاومة شهوة الجاه والشهرة والتأیید، مع قدرته علی جلب أنظار جموع الجهلة والمسؤولین الفاسدین بالإطراء علیهم والتملق لهم وخداع عوام الناس والسکوت عن الحق وترک الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر. فلم یفعل ذلک، وهو یعلم أن سلوک طریق أداء التکلیف وحمل المسؤولیة الإلهیة والإنسانیة سیسقطه من الأعین ویجعله من المغضوب علیهم عند المتسلطین، ویجعل ماء وجهه فی معرض تطاول وتهم هؤلاء المستکبرین. و"صبر علی الذل وهو یقدر علی العز". أی صبر علی أن یکون فی أدنی المراتب والطبقات الاجتماعیة محروماً من المناصب الرفیعة والدرجات التی تؤمّن له العیش مع قدرته علی نیل ذلک باقتراف الجنایات وارتکاب المعاصی. فلم یفعل ذلک:
"آتاه الله ثواب خمسین صدّیقاً ممن صدّق بی". هذا الحدیث العلیّ الصادر من قبل ملکوتی قیمته ومنزلته منزلة الوحی الإلهی لما یحتویه من تعالیم فی غایة الأهمیة والعمق فی مجال أحد أهم القضایا الاجتماعیة، مستعرضاً لمعنی وقیمة هذا النوع من الصبر، وهو الصبر عن المعصیة. الصبر عند المصیبة حیاة الإنسان تکون دائماً فی معرض الحوادث والبلاءات المؤلمة والشاقة. فهذا من لوازم وجود الإنسان علی هذه الأرض. ویوجد فی هذا المجال کلام مشهور لمولی المتقین علی (علیه السلام) حیث یصف الحیاة الدنیا أنها "بالبلاء محفوظة" فالآلام، والخسائر الجسمانیة والمالیة، وفقد الأعزاء، والحرمان و... وغیرها من أشکال المصائب کانت ملازمة لتاریخ البشر سواء کانوا متنعمین أم لا. ومع هذا الحوادث التی تجری علی الإنسان دون میله وإرادته، تبرز صور أعمال الناس. فالبعض یفقد القدرة علی المقاومة فی وجه المصیبة، ویصاب بهزیمة معنویة. بینما البعض الآخر یتحمل المصاب أو یعتبره أمراً طبیعیاً، ویخفف من وقعه، لیخرج منه سالماً ومرفوع الرأس. وبقول الشاعر رودکی فإن عظمة وسمو الإنسان یمکن اختبارها أثناء البلاء والمصیبة.
أما الجزع والنحیب فهما أسلوب الضعفاء وأصحاب القلوب الضعیفة والصغیرة. وهذا هو المیل الطبیعی فی غریزة الإنسان التی تفرض حالة من الانفعال العاطفی الذی یسیطر علیه أو یجعله یشکو ویئن، ویحمله علی العویل والصراخ وضرب الرأس والأرجل کما هو معروف عند وقوع المصائب. وهنا یکون الصبر علی المصیبة بمعنی التسلیم والرضا فی مقابل الاضطراب العاطفی. والإنسان الصبور عند المصائب هو الذی لا یفقد القوة الروحیة والشخصیة الإنسانیة، ولا ینجرف مع الحوادث التی تقع علیه. فمصیبته لا تبث فیه الوهن ولا تشل عزمه ولا توقفه عن السعی والجهاد فی طریق الهدف الأساسی للحیاة. وهذا الصبر هو أیضاً ممدوح کما جاء فی الحدیث "حسن جمیل". ولو تقرر أن یفقد من یفترض علیه سلوک طریق الوصول إلی الهدف، عزیمته وأجزاء من نشاطه المعنوی علی أثر کل حادثة مؤلمة، لم یکن من الصحیح أن نتوقع منه المحافظة علی القاعدة والذخیرة الروحیة اللازمة لطی هذا الطریق. ولهذا، فإن مقاومة المیول التی تجعل الإنسان ضعیفاً عند المصائب هی العامل الذی یحفظ العزیمة والنشاط الروحی وتمنع من فقدانه وتضییعه. والأمر الأکثر أهمیة والأعلی قیمة أن نفس هذه المقاومة تعدّ ریاضة وتمریناً صعباً ومفیداً یزید من قوة الإرادة وصلابة العزم وهو الشیء الذی یستحیل بدونه سلوک هذا الطریق الصعب وخصوصاً عند مواجهة تلک الحوادث.

فالصبر عند المصیبة له فائدتان فی غایة الأهمّیة

الأولی

حفظ الذخیرة والنشاط المعنوی الذی تبنی علی أساسه الأعمال والتحرّکات المفیدة من الضیاع أو تزول.

الثانیة

تقویة الإرادة والعزم الذی یدفع الإنسان للقیام بالأعمال ویمدّه بالصبر والمقاومة عند المصائب المفاجئة. وهذا النوع من الصبر حثّ علیه بشکل مدهش أولیاء وأئمة الدین، نظراً إلی دوره البنَّاء والاستثنائی المدهش فی صناعة الإنسان. ویمکننا أن نشاهد فی هاتین الروایتین ما یشیر إلی هذه الفلسفة العمیقة. الأولی عن أبی عبد الله أو عن أبی جعفر (علیما السلام) قال:
"من لا یُعدّ الصبر لنوائب الدهر یعجز" . والثانیة عن أبی عبدالله (علیه السلام) قال:
"إن العبد لیکون له عند الله الدرجة لا یبلغها بعمله، فیبتلیه الله فی جسده أو یصاب بماله، أو یصاب فی ولده، فإن هو صبر بلَّغه الله إیاها". ویظهر بوضوح من هذه الروایة دور الصبر البنَّاء والرافع. وننقل فی هذا المجال حادثة تتعلق بعثمان بن مظعون ـ أحد المسلمین الأوائل من ذوی السابقة الحسنی فی تاریخ صدر الإسلام ومن الذین هاجروا إلی الحبشة والمدینة ـ حیث فقد ولده الشاب هناک وکان لهذه المصیبة وقع علیه إلی درجة قرر علی أثرها الجلوس فی البیت وقضاء باقی عمره فی العبادة، والابتعاد عن مزاولة الأعمال والنشاطات الاجتماعیة. وکان هذا الأثر الذی جعل کل مظاهر الحیاة عنده تفقد معناها. وعندما عرف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بالأمر توجّه إلیه ونهاه عن هذا العمل قائلاً له "لا رهبانیة فی الإسلام"، أی أنه لا یجوز فی الإسلام الانزواء وترک الدنیا وصرف العمر بالعبادات الفردیة "إنما رهبانیة أمتی الجهاد". فالصبر علی المصائب اللاإرادیة یعنی:
تحمل المصیبة وعدم فقدان النشاط والفعالیة فی الحیاة، وتناسی الصدمة الناشئة من الحادثة المؤلمة، وذلک بالاستمرار فی العمل والسعی الأساسی للحیاة. الصبر علی المصائب الاختیاریة هناک ما هو أهم من الصبر علی المصائب القهریة (المفاجئة)، وهو عندما یکون الإنسان سائراً نحو هدفه بوعی ومعرفة بالطریق، فیصبر عند المصائب والمحن التی لابد من حصولها علی هذا الطریق، ولا یتوقف عن إکمال السیر بسببها.. إننا عندما نحلل بشکل عمیق ما کتبه المحققون حول أحداث التاریخ المرتبطة بالجماعات، نصل إلی هذه النتیجة وهی أن الأهداف الإنسانیة السامیة ـ وعلی رأسها أهداف الأنبیاء ـ کانت تتنافی وتصطدم دائماً بمصالح الطبقات المتسلطة الظالمة. ولهذا کنا نری أیضاً أن حملة لواء تلک الأهداف کانوا فی صراع مستمر مع رؤوس تلک الطبقات. وقد ذکر القرآن الکریم فی العدید من آیاته هذه المواجهات بین الأنبیاء والطواغیت والمترفین. هذا الوضع، الذی هو أمر حتمی فی مثل هذا التحرّک، یستلزم کل المصائب والعذابات بأنواعها بالنسبة لسالکی طریق الحق والمنادین بالعدل والقسط وأتباع الأنبیاء والمتمسکین بنهجهم. ولأجل أن یستعدَّ المؤمنون مسبقاً، نجد القرآن الکریم یبیّن لهم هذه المخاطر والصعاب:
{لَتَبلُونّ فی أموالکم وأنفسکم ولتسمعنَّ من الذین أوتوا الکتاب من قبلکم ومن الذین أشرکوا أذی کثیراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلک من عزم الأمور}. فما یحدث فی الواقع، أن الذین یریدون الحیاة الإیمانیة وتحقق العبودیة لله تعالی فی وجودهم، والالتزام بالتکالیف الإلهیة والمسؤولیات الشرعیة، فإنهم سیواجهون لا محالة ذلک الأذی والتضییق والتنکیل بکل أنواعه، وسیرون هذه النبوءة القرآنیة متحققة أمام أعینهم. وبالطبع، فإنه کما کانت مرتبة الإنسان من حیث الإیمان والعمل أعلی فإنه سینال من الأذی والمصائب ما یتناسب مع مرتبته، وعلیه أن یزید من قوة تحمله وصبره. ولقد أشار الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) فی حدیث له إلی هذا المطلب قائلاً:
"إن أشد الناس بلاءاً الأنبیاء ثم الذین یلونهم الأمثل فالأمثل".. کما أن تحمل هذا النوع من المصائب لیس مثل تحمل تلک المصائب والحوادث المؤلمة التی هذه من النوع السابق (اللااختیاریة). لأنه فی هذا النوع لا یکون الإنسان مضطراً فی کل الحالات والتقادیر إلی تحمل بلائها، بل علی العکس یستطیع وقت ما یشاء أن یرجع إلی الحیاة السهلة المریحة، وأن یحمی نفسه من الوقوع فیها. أما الذی یرتضی أن یتحمل هذه البلاءات والمصائب التی لابد منها، فهو الذی یسیر نحو الهدف النهائی. أما الذی یرجح السلامة والجلوس فی البیت ولا یخطو خطوة واحدة خارجه، ولا یتحمل عناء السفر، ویغض النظر عن کل الفوائد الموجودة فی السیر والسفر، أما الذی یمکنه علی هذا الأساس أن یصون نفسه طوال حیاته من السقوط من أعلی الجبل أو مواجهة الحیوانات المفترسة، أو قطّاع الطرق ومئات الحوادث الأخری التی تقع أثناء الأسفار، وکذلک الإنسان اللامبالی الذی لا یشعر بأیة مسؤولیة ولا یری لحیاته هدفاً مثل هذا الشخص لن یخطو خطوة واحدة فی طریق یوصل إلی الهدف، ویستحسن أن تبقی حیاته خالیة من الأحداث ومن کل ما یشغل البال، کما یقول الشاعر سعدی:
بالأبحار منافع لا تحصی ومن أراد السلامة یبقی (مترجماً) فإذاً، حوادث ومصائب طریق الأنبیاء هی من النوع الاختیاری. والذین یبتلون بها هم أتباع أمیر المؤمنین (علیه السلام):
"وخض الغمرات إلی الحق"، وهم الذین استجابوا لنداء الأنبیاء بصدق واستقاموا.. فالصبر علی هذا الطریق من أهم أنواع الصبر، وهو یظهر معدن الإنسان وجوهره. هذا الصبر یعنی قبول المصیبة، وهو الذی یتطلب منه أن لا یکون نادماً علی ما ابتلی به. خباب بن الأرث هو أحد المسلمین المضحین، ومن الأوائل الذین آمنوا بالإسلام، وحرموا بسبب إیمانهم من معظم أموالهم وممتلکاتهم، هو نفسه قال:
أتیت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وهو متوسِّد ُردَه فی ظل الکعبة وقد لقینا من المشرکین شدة شدیدة، فقلت یا رسول الله ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمرُّ وجهه فقال (صلی الله علیه وآله وسلم):
"إن کان من کان قبلکم لیُمشّط أحدهم بأمشاط الحدید ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما یصرفه ذلک عن دینه، ویوضع المنشار علی مفرق رأسه فینشق باثنین، ما یصرفه ذلک عن دینه. ولَیُتمنَّ الله هذا الأمر حتی یسیر الراکب من صنعاء إلی حضرموت لا یخاف إلا الله عز وجل والذئب علی غنمه". وبهذا النوع من الکلام الملتهب، کان رسول الله یشعل فی الأرواح وقود المقاومة والإرادة الفولاذیة، ویحملهم علی الصبر والاستقامة أمام البلایا الناشئة من سلوکهم طریق الإیمان. ومن الممکن أن یصبر الإنسان علی القیام بالتکالیف الإسلامیة، أو یصبر عن اقتحام المعاصی، ویصبح بذلک فی عداد المؤمنین بالإسلام والسائرین علی طریقه، لکنه قد لا یقاوم المصائب والحوادث التی لابد من حصولها فی هذا الطریق، ویصاب علی أثر ذلک بالوهن المعنوی والعقائدی ویحل به الیأس والإحباط، مما یؤدی إلی توقفه وعدم وصوله إلی المقصد النهائی، ویرجع إلی الوراء ملقیاً قسماً من الوظائف والتکالیف علی الطریق. فبلوغ الغایة والاستمرار فی المسیر متوقف علی وجود هذا النوع من الصبر، أی الصبر علی المصائب الاختیاریة. طرق تحصیل هذا الصبر بسبب أهمیة الصبر والدور الأساسی له. فقد تم التأکید الکبیر علیه فی عدة آیات من القرآن الکریم، بحیث یؤدی ذلک إیجاد أرضیة لهذه المقاومة فی الإنسان.

وإحدی الطرق التی تؤدّی إلی إیجاد الصبر علی المصائب الاختیاریة هی طرح وعرض المصائب القهریة (اللااختیاریة). ففی القرآن الکریم، نجد أن الله تعالی ولأجل تسهیل الموت علی سالکی التکلیف فی سبیل الله یقول لنا إن الموت هو المصیر الحتمی لکل البشر. فمن لا یموت فی میادین القتال، یموت فی بیته أو علی فراشه. وإن الحیاة بید الله. أما الموت الذی یکون فی سبیل الله فهو عمل ینال علیه الإنسان الأجر والثواب. یقول الله تعالی:
{وما کان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله کتاباً مؤجلاً ومن یُرِدْ ثوابَ الدنیا نؤته منها ومن یُرِدْ ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزی الشاکرین}. ، وأیضاً:
{ولئن قُتِلتم فی سبیل الله أو مُتُّم لمغفرةٌ من الله ورحمة خیرٌ مما یجمعون}. ، وأیضاً:
{الذین قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا قل فادرءوا عن أنفسکم الموت إن کنتم صادقین * ولا تحسبّن الذین قُتلوا فی سبیل الله أمواتاً بل أحیاءٌ عند ربّهم یرزقون}. وهناک طریق آخر أتت علی ذکره الآیتان (139) و(140) من سورة آل عمران یدفع الإنسان نحو الأمام فیرضی بالمصائب الحاصلة علی هذا الطریق، کما فی قوله:
{إن مسّکم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلک الأیام نداولها بین الناس..}، وقوله تعالی:
{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن کنتم مؤمنین}. وهناک آیات أخر اعتمدت هذا الأسلوب. وکأسلوب آخر أیضاً، ذکر فی الآیة (146) من نفس السورة ما یذکّر بأحوال السابقین وجهادهم وصبرهم وتحملهم للمصائب الاختیاریة:
{وکأی من نبی قاتل معه ربّیون کثیر فما وهنوا لما أصابهم فی سبیل الله وما ضعفوا وما استکانوا والله یحب الصابرین}، بالإضافة إلی العدید من الآیات الأخری التی تحدثت عن تلک الوقائع فی حثها علی الاستمرار علی نهج الأنبیاء. وهذا الصبر علی مثل هذه المصائب، مع أنه صعب جداً، ویتطلب إرادة قویة وإیماناً راسخاً، فإنه بنفسه یلعب دوراً إعجازیاً فی إیجاد الإرادة القویة والإیمان والأهم من ذلک، بناء وإیجاد جنة الإسلام الاجتماعیة. ولهذا، تم الحث علیه والأمر به فی الآیات القرآنیة والروایات التی لا حصر لها من کلمات أئمة الهدی (علیهم السلام)، وبوسائل وأسالیب متعددة. وفی بحثنا هذا الذی یعتمد أکثر علی الروایات، نشیر إلی روایة فی هذا المجال تشمل الصبر عند وقوع أی نوع من المصائب. فعن أبی بصیر قال سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) یقول:
"الحر حر علی جمیع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداکت علیه المصائب لم تکسره وإن أسر وقهر، واستبدل بالیسر عسراً، کما کان یوسف الصدیق الأمین لم یضرر حریته أن استعبد وقهر وأسر..". آثار وفوائد الصبر فی ختام مطالب هذه المقالة ینبغی أن نتحدث عن فوائد وآثار الصبر البناءة. مع أننا قد أشرنا إلیها فی طیات الکلام السابق، ولکن لأجل المزید من الإطلاع علی الآثار الفردیة والاجتماعیة للصبر، نتحدث هنا بشیء من التوسعة. إلاّ أننا لن نتعرض إلی الفوائد الأخرویة، أی ثواب وأجر الصابرین یوم الحساب مع أنه لا یمکن التفکیک بینها وبین الآثار والفوائد الدنیویة. إننا نرید هنا التعرض إلی الآثار التی تحصل فی نفس هذه المرحلة من الحیاة، أی الحیاة الدنیا فیما یتعلق بالفرد الصابر والمجتمع أو الفئة الصابرة. فمن أین نبدأ، وما هی الفائدة الأولی التی تطرح نفسها؟ نجیب بجملة جامعة:
الدنیا والآخرة والأهداف الإنسانیة، بل وأیضاً المقاصد الشریرة، أی کل مقصد یریده الإنسان مرهون بالصبر والثبات. وإذا احتجنا إلی الاستدلال علی هذا الأمر، ولم تقنعنا تجارب البشر طوال تاریخهم الممتد عبر الأزمنة والعصور، فإن هذه المعادلة القاطعة والواضحة کافیة:
"إن الوصول إلی أی هدف یحتاج إلی السعی، والسعی یستلزم الصبر والاستقامة (الثبات علیه)". وکل إنسان قد خبر هذه المعادلة فی حیاته فی العدید من الأحداث. الثبات والنصر یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی إحدی کلماته الملهمة للحکمة:
"لا یعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان". وفی حدیث آخر یبین لنا (علیه السلام) هذا المعنی بعبارة أخری قائلاً:
"من رکب مرکب الصبر، اهتدی إلی میدان النصر". وفی حرب صفین قال (علیه السلام) فی خطبة له یحث ویعبئ الجند:
"واستعینوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ینزل علیکم النصر". فهل حقاً ان الصبر والثبات موجب للوصول إلی الهدف؟ وإذا کانت هذه قاعدة عامة وقانوناً ثابتاً لا یقبل التخلف، لماذا نشاهد طوال التاریخ أفراداً أو جماعات لم یصلوا إلی أهدافهم مع أنهم کانوا فی میادین العزة یبذلون ما ینفع الثبات والمقاومة، ولم یحققوا النصر أو یذوقوا حلاوته؟! فی صدر الإسلام یوجد حوادث لیست بالقلیلة شاهدة علی هذا الأمر، مثل عاشوراء وشهادة زید بن علی (علیه السلام) والتوابین و.. ولکی یتضح الجواب عن هذا السؤال الذی یطرح أکثر الناس نحتاج إلی شیء من الدقة. فلعل هؤلاء الناس الذین یطرحون مثل هذا التساؤل ویعتبرون هذه الأحداث التاریخیة التی لم تثمر أو تصل إلی غایتها بحسب الظاهر (کعاشوراء وشهادة زید و...) هی أمور تنقض هذا القانون العام (قانون الصبر والظفر). إن هؤلاء لم یدرکوا بشکل صحیح هدف وغایة کل واحدة من هذه الحوادث والوقائع، والتی یکون تحقیقها لهذا الهدف أو تلک الغایة هو الانتصار والفوز. لهذا نبدأ أولاً بالإجابة عن سؤال یتعلق بهدف هذه الحوادث التاریخیة، وبالإجابة عنه بشکل صحیح ستتضح النتیجة، وهی أن أصحاب هذه الحرکات لم یهزموا إطلاقاً! وکمقدمة ینبغی أن نلتفت إلی أن الأهداف تختلف من حیث قربها وبعدها عن التحقق. فبعضها تکون نتیجتها سریعة وقریبة، والآخر یحتاج إلی أزمنة طویلة:
کغرس نبتة وتأمین کل ما تحتاجه حتی تنمو وتثمر. فإذا تأمنت هذه المقدمات، ولم یحصل أی تقصیر فی إعدادها من خلال مواجهة العوامل السلبیة والمفسدة، فإنها ستثمر حتماً. ولکن بعض الأشجار تحتاج من الناحیة الطبیعیة إلی أکثر من عشر سنوات لتعطی الثمار المطلوبة. فلاشک أن المقصد النهائی من تربیة هذه الغرسة التی تحتاج فی نموها إلی عشر سنوات، هو الحصول علی الثمار. ولکن أن نکبر هذه الغرسة شیئاً ما. وإذا مرت سنة بعد سنة فعلی المزارع الذی لم یکس عن الاهتمام بها، أن یفرح أو یطمئن بأن تعبه فی هذه السنة أو تلک لم یذهب هدراً. ولکن بالنسبة للمشاهد من بعید والذی اطّلع علی أتعاب وزحمات هذا المزارع الکادح والصبور، فإنه بعد مرور السنة الأولی، وحیث إنّه لم یشاهد أیة ثمرة، فإنه سیخطِّئ المزارع انطلاقاً من الیأس وعدم الوثوق، وینقض القول المعروف "بعد الصبر یأتی الظفر"، ویستدل علی ذلک من خلال تجربته الناقصة.
بینما یعرف الجمیع أن مثل هذا الرأی یرجع إلی قصر النظر وقلة الصبر ویقولون لهذا الناقد أنه لا ینبغی أن نتوقع نتیجة عمل عشر سنوات فی أول سنة. وهکذا، فإن نهضة عاشوراء، وکل الوقائع التی کانت امتداداً لها وعلی أساس توجهها قد حققت ما کانت تصبو إلیه ووصلت إلی الهدف الذی رسمته. هذه الوقائع، کانت کل واحدة منها خطوة ناجحة باتجاه "القضاء علی السلطات الغاصبة وإقامة المجتمع الإسلامی المنشود". ولاشک بأنه بعد هذه الخطوات الأولی، لو استمر اللاحقون بالمسیرة، لتحققت الغایة المطلوبة من وراء مجموع هذه المساعی والتحرکات. أما أن نتوقع تحقق مثل هذا الهدف من سعی شخص واحد أو عدة أفراد فی مرحلة ما، فإنه فی غیر محله. وفی المثال السابق یمکن أن نقول لذلک المشاهد القلیل الصبر والخبرة:
إن أولئک الذین أدرکوا متاعب المزارع وأشرفوا علی هذه الأعمال یعلمون جیداً أن کل یوم یمضی وکل ساعة ستکون مفیدة ومنتجة، وهم یدرکون نتائج الصبر فی کل لحظة قبل أن تأتی أختها. فمرور سنتین من العمل یعنی اقتراب الغرسة من النضج. ولو لم یکن هذا السعی فی هاتین السنتین لتأخرت الثمار سنتین. ولعله یضیع الهدف النهائی ولا تصل إلی المطلوب.. فهل الواقع غیر ما ذکرنا؟! وإلی جانب هذه الحقیقة، یوجد حقیقة أخری؛ وهی أنّه بعد بروز مانع یمنع المزارع الحریص من الاستمرار فی عمله، إذا لم یتابع مزارع آخر عمله، ولم یکمل أعمال السنة الثالثة والرابعة، فإنّ هذه الغرسة أو الشجرة لن تنضج أبداً. ولاشک بأن نتیجة الصبر فی السنتین الأولیین قد حصلت، کما أن قلع أو قطع شجرة متجذرة أو إزالة صخرة کبیرة بدون التجهیزات اللازمة والید القویة لیس ممکناً، ولن تعطی أیة نتیجة بدون وجود الصبر. ولو أنجزت أول ید قویة وصبورة المقدمات الأولی اللازمة وبسبب مانع ما توقفت، ثم أکملت الأیدی الأخری العمل فإنها ستقترب نحو النتیجة المطلوبة. وقد قام زید بن علی (علیه السلام) بسبب ظهور علامات نصر ولکنه لم ینتصر، وإنمّا حقق ما کان متوقعاً من مثل نهضته. فإنّ قیامه واستشهاده کان ضربة علی الصخرة الصلبة لحکم بنی أمیة. هذه الصخرة التی یتطلب تحطیمها عدة ضربات متتالیة.
وعندما توالت الضربات علی أثر تلک الضربة انهارت هذه الصخرة السوداء التی کانت تجثم علی صدر الأمة الإسلامیة. ولاشکّ بأنه لو لم تکن الضربة الأولی لما حققت الضربات اللاحقة مطلوبها، أو أنّها ما کانت لتحدث (تلک الضربات). وکأن الحدیث یشیر إلی ما نتحدث عنه، بأن شهادة الحسین بن علی (علیه السلام) کان سبباً لسقوط التیار السفیانی وشهادة زید بن علی (علیه السلام) سبباً لسقوط الحکم المروانی. الآثار الفردیة والنفسیة للصبر بالإضافة إلی الآثار الاجتماعیة للصبر التی هی الانتصار والوصول إلی الهدف والمقصد، یوجد آثار أخری إیجابیة وذات أهمیة تنعکس علی روحیة ونفسیة الصابر. وبالإطلاع علی هذه الآثار المدهشة، یتیسر لنا فهم الکثیر من التضحیات التاریخیة، وخصوصاً تضحیات أبطال کربلاء العظیمة. وما نقصده من الآثار النفسیة هو تلک الآثار التی تتجلی فی نفس الشخص الصابر، وتعود علیه بنتائج داخلیة قبل تحقق النتائج الخارجیة. وأول تأثیر إیجابی وبنّاء للصبر هو أن الصابر یزداد قوة وعزماً ویشتد رفضه للهزیمة والانکسار، مثل حال التمارین الریاضیة الصعبة. وهذه الحالة شاملة لکل الأمور والقضایا فی الحیاة سواء کانت دنیویة أو أخرویة. وأن جمیع الهزائم التی تقع أثناء المواجهات الاجتماعیة والدینیة والعملیة، تنبع من الهزیمة الروحیة وقبول الانکسار. ومثل هذه الروحیة المهزومة، تکون آثار الهزیمة فیها مضاعفة عن الهزیمة والضربة التی تتلقاها من جراء عدم اکتمال العتاد العسکری وتمامیة المناورات. فالجندی الذی یدیر ظهره هارباً عند مواجهة العدو فی ساحة المعرکة، هو الذی یکون قد هزم نفسیاً قبل عجزه الجسمانی والمادی.
بینما إذا لم یهزم روحیاً ومعنویاً، فمن المستحیل أن یولی هارباً فاراً من ساحة المعرکة. فالخاصیة الأولی للصبر فی البعد الفردی هو إیجاد مثل هذه الروحیة فی الشخص والصابر. إننا نجد الناس عند حدوث المصائب فی حیاتهم ـ کالخسائر المادیة والأمراض والآلام والموت... ـ لا یصبرون، بل یستسلمون ویجزعون. وهکذا عندما تواجههم العوائق والموانع العدیدة، فإنهم ینسحبون.. وفی المقابل من یصبر منهم ویستفید فی کل حادثة من سلاح الصبر القاطع، یکتسب قوة إضافة وقدرة أعلی عند مواجهة مشاکل الحیاة. ونستطیع أن نشبه الإنسان العدیم الصبر بالجندی الذی ینزل إلی ساحة المعرکة بدون درع واق. فمثل هذا الجندی سیسقط عند أول ضربة یوجهها له العدو. بینما الإنسان الصبور یشبه الجندی الذی یحمل درعاً یقی کل جسمه وهو یمتلک العدة اللازمة. فهذا الجندی یعد قتله أصعب بدرجات من الأول. والذی لا ینهزم فی معترک الحیاة هو الذی استعد لها مسبقاً، ولبس لها درع الصبر الواقعی الذی لا یقبل بالهزیمة. ومثله لن یضعف بسهولة أو یقبل المهانة، ولن ینزعج من مواجهة المصاعب والآلام التی ینبغی توقعها أثناء مسیره نحو الکمال والسعادة. وقلبه لن یسقط، وأقدامه لن تتزلزل. وبهذا البیان الواضح یمکن لنا سبر أغوار هذا الإلهام الإسلامی العمیق الصادر من الإمام الصادق (علیه السلام) حیث یقول:
"قد عجز من لم یعد کل بلاءِ صبراً". وهذا ما یمکن أن نشاهده فی صلابة وثبات الرجال العظام الذی صنعوا التاریخ. وعلی رأسهم الأنبیاء وأهل الله الذین تحملوا منذ البدایة کل ألوان العذاب وصنوف الأذی من الطغاة. ومع ذلک انتشرت دعوتهم فی کل الأرجاء، وکان لها أثر کبیر. ولم یکن ذلک إلا بالصبر الذی أعدوه لمواجهة تلک الموانع والعقبات فأوجد فی أنفسهم روحاً لا تهزم وحوّلهم إلی أفراد یتمتعون بصلابة عالیة جداً. وکان أعداؤهم فی الکثیر من الموارد یتمتعون بالإمکانات الکبری، ولکنهم تعبوا وعجزوا، حینما لم یعجزوا هم ولم ینثنوا. کان المتوکل العباسی ـ هذا الامبراطور المتجبر ـ یقول:
"لقد أتعبنی ابن الرضا". فکیف استطاع الإمام الهادی (علیه السلام)، الذی قضی معظم أیام حیاته تحت الضغوط التی مارسها علیه المتوکل، أن یتعب هذا الحاکم المتسلط؟! حینما یکون أحد المتحاربین ضعیفاً بلحاظ الإمکانیات المادیة ویقضی معظم أیامه فی السجن والبعد عن الأمن والراحة، ولکن لا یتململ ولا یتعب أمام کل الضغوطات والشدائد، ویستمر رغم کل العوائق والموانع الموجودة علی طریقه الذی یتطلب سعیاً طویلاً، فمن الطبیعی أن یجعل خصمه تبعاً ومحبطاً، حتی وإن کان هذا الخصم یتمتع بکل الإمکانات المادیة والقدرات، وذلک لأنه لا یمتلک روحیة الإیمان بالسعی والهدف. هذه هی الخاصیة العجیبة للصبر التی تجعل الإنسان لا یقبل بالهزیمة. بروز الخصال الحسنة الإنسان غالباً لا یستطیع أن یقیّم نفسه قبل الامتحان والاختبار. وهو بذلک لا یعرف الکثیر عن القوی الکامنة فیه. وعلی سبیل المثال، إذا کان هناک رجل قوی بطبیعته، ولکنه لا یؤدی التمارین ولا یقوم بأی نشاط، کأن یرفع حملاً ثقیلاً یختبر به قوته، فمن الطبیعی أن یجهل هذا الإنسان قواه وممیزاته الجسمانیة.
إنه یقدر علی اکتشاف قوته حینما یطلب منه القیام بعمل یحتاج إلی قوة. وهنا ندرک الأثر الثانی للصبر، لأنه یجعل الإنسان الصابر المقاوم فی مختلف مجالات الحیاة مطلعاً علی موازین قوته والقدرات الإیجابیة الکامنة فیه، التی لا تظهر فی الحیاة العادیة الهادئة. هذا الأمر یدرکه جیداً کل الذین ذاقوا طعم الشدائد وتعرضوا للضغوطات والمحن أثناء سیرهم نحو أهدافهم علی أساس معتقداتهم الشریفة.. أمثال هؤلاء یشاهدون تلک الفتوحات والإنجازات فی ذواتهم أثناء مواجهة المخاطر والصعاب، التی یظن العادی أنها لا تقاوم. وینالون من جراء ذلک القوی العظیمة والمدهشة. فهم قد اکتشفوا فی أنفسهم ذلک الشیء الذی کانوا یجهلونه. فالصبر إذن یؤدی إلی أن یتعرف الإنسان علی نفسه أکثر ویکتشف تلک الأمور الإیجابیة التی أودعت فی داخله. التوجه والتوکل علی الله أکثر ثالث خاصیة بناءة للصبر هی أن الإنسان عندما یکون فی أیة مرحلة من المراحل وحیداً ویصبح أقرب إلی الله ویتوکل علیه أکثر. البعض یتصور أن الاتکال علی الله یتعارض ویتنافی مع الاعتماد علی النفس، وأن الذی یرید أن یعتمد علی الله لا ینبغی أن یعتمد علی نفسه أو یثق بها. وحینما یقال:
اتکلوا علی الله، فإنهم یقولون لماذا تسلبون من الناس روحیة الثقة والاعتماد علی النفس. وکأن الذی یدعو الناس إلی التوکل علی الله یقول لهم لا تعتمدوا علی أنفسکم!! أما بالنسبة للمؤمنین بالله، فإنه یری هناک تلازماً بین التوکل علی الله والاعتماد علی النفس. بل ویعتبر أن الاعتماد علی النفس من أبعاد الصبر، ووسیلة تؤدّی إلی التوکل والاعتماد علی الله. أمّا عدیم الصبر فإنّه سیتزلزل ویتفاجأ أثناء مواجهة المصائب الاختیاریة بسبب عدم ثقته بنفسه وسینسی الله ویبتعد عنه أیضاً. فالإنسان عندما یواجه شدائد ومصائب الدهر، وتحیط به الأزمات أو تطبق علیه الصعاب، فلا یجزع أو ینتحب، فسوف تنفتح علیه نوافذ الارتباط العمیق بالله ویسهل علیه الاتصال بقلبه وروحه بنور حضور الله. أما إظهار العجز والضعف، فإنه سوف یبعده ویقطعه عن الله تعالی وعن نفسه. هذه من الحقائق التی تکون التجربة والمشاهدة من أقوی الأدلة علیها وأثبتتها.